فهرس الكتاب

الصفحة 1461 من 8321

اعلم أنه تعالى ذكر هاهنا قصصًا ثلاثة: الأولى: منها في بيان إثبات العلم بالصّانع ، والثانية والثالثة: في إثبات الحشر والنشر والبعث ، والقصة الأولى مناظرة إبراهيم A مع ملك زمانه وهي هذه الآية التي نحن في تفسيرها فنقول:

أما قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ } فهي كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها ، ولفظها لفظ الاستفهام وهي كما يقال: ألم تر إلى فلان كيف يصنع ، معناه: هل رأيت كفلان في صنعه كذا .

أما قوله: { إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ } فقال مجاهد: هو نمروذ بن كنعان ، وهو أول من تجبر وادعى الربوبية ، واختلفوا في وقت هذه المحاجة قيل: إنه عند كسر الأصنام قبل الإلقاء في النار عن مقاتل ، وقيل: بعد إلقائه في النار ، والمحاجة المغالبة ، يقال: حاججته فحججته ، أي غالبته فغلبته ، والضمير في قوله { فِى رِبّهِ } يحتمل أن يعود إلى إبراهيم ، ويحتمل أن يرجع إلى الطاعن ، والأول أظهر ، كما قال: { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى الله } [ الأنعام: 80 ] والمعنى وحاجه قومه في ربه .

أما قوله: { أَنْ آتاه الله الملك } فاعلم أن في الآية قولين الأول: أن الهاء في آتاه عائد إلى إبراهيم ، يعني أن الله تعالى آتى إبراهيم A الملك ، واحتجوا على هذا القول بوجوه الأول: قوله تعالى: { فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكًا عَظِيمًا } [ النساء: 54 ] أي سلطانًا بالنبوّة ، والقيام بدين الله تعالى والثاني: أنه تعالى لا يجوز أن يؤتي الملك الكفار ، ويدعي الربوبية لنفسه والثالث: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب ، وإبراهيم أقرب المذكورين إلى هذا الضمير ، فوجب أن يكون هذا الضمير عائدًا إليه والقول الثاني: وهو قول جمهور المفسرين: أن الضمير عائد إلى ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم .

وأجابو عن الحجة الأولى بأن هذه الآية دالة على حصول الملك لآل إبراهيم ، وليس فيها دلالة على حصول الملك لإبراهيم عليه السلام .

وعن الحجة الثانية بأن المراد من الملك هاهنا التمكن والقدرة والبسطة في الدنيا ، والحس يدل على أنه تعالى قد يعطي الكافر هذا المعنى ، وأيضًا فلم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى أعطاه الملك حال ما كان مؤمنًا ، ثم أنه بعد ذلك كفر بالله تعالى .

وعن الحجة الثالثة بأن إبراهيم عليه السلام وإن كان أقرب المذكورين إلا أن الروايات الكثيرة واردة بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك ، فعود الضمير إليه أولى من هذه الجهة ، ثم احتج القائلون بهذا القول على مذهبهم من وجوه الأول: أن قوله تعالى: { أَنْ آتاه الله الملك } يحتمل تأويلات ثلاثة ، وكل واحد منها إنما يصح إذا قلنا: الضمير عائد إلى الملك لا إلى إبراهيم ، وأحد تلك التأويلات أن يكون المعنى حاج إبراهيم في ربه لأجل أن آتاه الله الملك ، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك ، ومعلوم أن هذا إنما يليق بالملك العاتي ، والتأويل الثاني أن يكون المعنى أنه جعل محاجته في ربه شكرًا على أن آتاه ربه الملك ، كما يقال: عاداني فلان لأني أحسنت إليه ، يريد أنه عكس ما يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان ، ونظيره قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت