فهرس الكتاب

الصفحة 7214 من 8321

قوله تعالى: { آمنوا بالله وَرَسُولِهِ } اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواعًا من الدلائل على التوحيد والعلم والقدرة ، أتبعها بالتكاليف ، وبدأ بالأمر بالإيمان ورسوله ، فإن قيل قوله: { ءَامَنُواْ } خطاب مع من عرف الله ، أو مع من لم يعرف الله ، فإن كان الأول كان ذلك أمرًا بأن يعرفه من عرف ، فيكون ذلك أمرًا بتحصيل الحاصل وهو محال ، وإن كان الثاني ، كان الخطاب متوجهًا على من لم يكن عارفًا به ، ومن لم يكن عارفًا به استحال أن يكون عارفًا بأمره ، فيكون الأمر متوجهًا على من يستحيل أن يعرف كونه مأمورًا بذلك الأمر ، وهذا تكليف مالا يطاق والجواب: من الناس من قال: معرفة وجود الصانع حاصلة للكل ، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات .

ثم قال تعالى: { وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فالذين ءامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لهم أجرٌ كبيرٌ } في هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه أمر الناس أولًا بأن يشتغلوا بطاعة الله ، ثم أمرهم ثانيًا بترك الدنيا والإعراض عنها وإنفاقها في سبيل الله ، كما قال: { قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ } [ الأنعام: 91 ] ، فقوله: { قُلِ الله } هو المراد ههنا من قوله: { آمنوا بالله وَرَسُولِهِ } وقوله: { ثُمَّ ذَرْهُمْ } هو المراد ههنا من قوله: { وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } .

المسألة الثانية: في الآية وجهان الأول: أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها ، ثم إنه تعالى جعلها تحت يد المكلف ، وتحت تصرفه لينتفع بها على وفق إذن الشرع ، فالمكلف في تصرفه في هذه الأموال بمنزلة الوكيل والنائب والخليفة ، فوجب أن يسهل عليكم الإنفاق من تلك الأموال ، كما يسهل على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه الثاني: أنه جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم ، لأجل أنه نقل أموالهم إليكم على سبيل الإرث ، فاعتبروا بحالهم ، فإنها كما انتقلت منهم إليكم فستنقل منكم إلى غيركم فلا تبخلوا بها .

المسألة الثالثة: اختلفوا في هذا الإنفاق ، فقال بعضهم: هو الزكاة الواجبة ، وقال آخرون: بل يدخل فيه التطوع ، ولا يمتنع أن يكون عامًا في جميع وجوه البر ، ثم إنه تعالى ضمن لمن فعل ذلك أجرًا كبيرًا فقال: { فالذين ءامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } قال القاضي: هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالإيمان المنفرد حتى ينضاف هذا الإنفاق إليه ، فمن هذا الوجه يدل على أن من أخل بالواجب من زكاة وغيرها فلا أجر له .

واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، وذلك لأن الآية تدل على أن من أخل بالزكاة الواجبة لم يحصل له ذلك الأجر الكبير ، فلم قلتم: إنها تدل على أنه لا أجر له أصلًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت