فهرس الكتاب

الصفحة 1955 من 8321

وفيه مسائل .

المسألة الأولى: تقدير الكلام: لهم درجات عند الله ، إلا أنه حسن هذا الحذف ، لان اختلاف أعمالهم قد صيرتهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها . فكان هذا المجاز أبلغ من الحقيقة والحكماء يقولون: إن النفوس الانسانية مختلفة بالماهية والحقيقة ، فبعضها ذكية وبعضها بليدة ، وبعضها مشرقة نورانية ، وبعضها كدرة ظلمانية ، وبعضها خيرة وبعضها نذلة ، واختلاف هذه الصفات ليس لاختلاف الامزجة البدنية ، بل لاختلاف ماهيات النفوس ، ولذلك قال E:"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة"وقال:"الأرواح جنود مجندة"واذا كان كذلك ثبت أن الناس في أنفسهم درجات ، لا أن لهم درجات .

المسألة الثانية: { هم } عائد الى لفظ «من» في قوله: { أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } [ آل عمران: 162 ] ولفظ «من» يفيد الجمع في المعنى ، فلهذا صح أن يكون قوله: { هُمْ } عائدا اليه ، ونظيره قوله: { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ } فان قوله: { يَسْتَوُونَ } صيغة الجمع وهو عائد الى «من» .

المسألة الثالثة: { هم } ضمير عائد الى شيء قد تقدم ذكره ، وقد تقدم ذكر من اتبع رضوان الله وذكر من باء بسخط من الله ، فهذا الضمير يحتمل أن يكون عائدًا الى الأول ، أو الى الثاني ، أو إليهما معًا ، والاحتمالات ليست إلا هذه الثلاثة .

الوجه الأول: أن يكون عائدا الى { مَنِ اتبع رِضْوَانَ الله } وتقديره: أفمن اتبع رضوان الله سواء ، لا بل هم درجات عند الله على حسب أعمالهم ، والذي يدل على أن هذا الضمير عائد إلى من اتبع الرضوان وأنه أولى ، وجوه: الأول: أن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب ، والدركات في أهل العقاب . الثاني: أنه تعالى وصف من باء بسخط من الله ، وهو أن مأواهم جهنم وبئس المصير ، فوجب أن يكون قوله: { هُمْ درجات } وصفا لمن اتبع رضوان الله . الثالث: أن عادة القرآن في الأكثر جارية بأن ما كان من الثواب والرحمة فان الله يضيفه إلى نفسه ، وما كان من العقاب لا يضيفه الى نفسه ، قال تعالى: { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } وقال: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص } [ البقرة: 178 ] { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة: 183 ] فما أضاف هذه الدرجات الى نفسه حيث قال: { هُمْ درجات عِندَ الله } علمنا أن ذلك صفة أهل الثواب . ورابعها: أنه متأكد بقوله تعالى: { انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ درجات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا } [ الإسراء: 21 ] .

والوجه الثاني: أن يكون قوله: { هُمْ درجات } عائدا على { مِّن بَاءَ بِسَخَطٍ مّنَ الله } والحجة أن الضمير عائد الى الأقرب وهو قول الحسن ، قال: والمراد أن أهل النار متفاوتون في مراتب العذاب ، وهو كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت