{ وَلِكُلّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ } [ الأحقاف: 19 ] وعن رسول الله A: « أن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل يحذى له نعلان من نار يغلي من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل أحد يعذب عذابي » . الوجه الثالث: أن يكون قوله: { هُمْ } عائدا الى الكل ، وذلك لأن درجات أهل الثواب متفاوتة ، ودرجات أهل العقاب أيضا متفاوتة على حسب تفاوت أعمال الخلق ، لأنه تعالى قال: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه } [ الزلزلة: 7 ، 8 ] فلما تفاوتت مراتب الخلق في أعمال المعاصي والطاعات وجب أن تتفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب .
المسألة الرابعة: قوله: { عَندَ الله } أي في حكم الله وعلمه ، فهو كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا ، وعند أبي حنيفة كذا ، وبهذا يظهر فساد استدلال المشبهة بقوله: { وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } [ الأنبياء: 19 ] وقوله: { عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } [ القمر: 55 ] .
ثم قال تعالى: { والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } والمقصود أنه تعالى لما ذكر أنه يوفي لكل أحد بقدر عمله جزاء ، وهذا لا يتم إلا اذا كان عالما بجميع أفعال العباد على التفصيل الخالي عن الظن والريب والحسبان ، أتبعه ببيان كونه عالما بالكل تأكيدا لذلك المعنى ، وهو قوله: { والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } وذكر محمد بن إسحق صاحب المغازي في تأويل قوله: { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } [ آل عمران: 161 ] وجها آخر فقال: ما كان لنبي أن يغل أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به اليهم رغبة في الناس أو رهبة عنهم ثم قال: { أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } يعني رجح رضوان الله على رضوان الخلق ، وسخط الله على سخط الخلق ، { كَمَن بَاء بِسَخَطٍ مّنَ الله } فرجح سخط الخلق على سخط الله ، ورضوان الخلق على رضوان الله ، ووجه النظم على هذا التقرير أنه تعالى لما قال: { فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر } [ آل عمران: 159 ] بين أن ذلك إنما يكون معتبرا اذا كان على وفق الدين ، فأما اذا كان على خلاف الدين فانه غير جائز ، فكيف يمكن التسوية بين من اتبع رضوان الله وطاعته ، وبين من اتبع رضوان الخلق ، وهذا الذي ذكره محتمل ، لأنا بينا أن الغلول عبارة عن الخيانة على سبيل الخفية ، وأما أن اختصاص هذا اللفظ بالخيانة في الغنيمة فهو عرف حادث .