فهرس الكتاب

الصفحة 3622 من 8321

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } قال في هذه الآية إنما السبيل على من كان كذا وكذا ، ثم الذين قالوا في الآية الأولى المراد { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } في أمر الغزو والجهاد ، وأن نفي السبيل في تلك الآية مخصوص بهذا الحكم . قالوا: السبيل الذي نفاه عن المحسنين ، هو الذي أثبته في هؤلاء المنافقين ، وهو الذي يختص بالجهاد ، والمعنى: أن هؤلاء الأغنياء الذين يستأذنونك في التخلف سبيل الله عليهم لازم ، وتكليفه عليهم بالذهاب إلى الغزو متوجه ، ولا عذر لهم ألبتة في التخلف .

فإن قيل: قوله: { رَضُواْ } ما موقعه؟

قلنا: كأنه استئناف ، كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء . فقيل: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف { وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ } يعني أن السبب في نفرتهم عن الجهاد ، هو أن الله طبع على قلوبهم ، فلأجل ذلك الطبع لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا .

ثم قال: { يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ } علة للمنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولًا . فإذا علم بأن القوم يكذبونه فيه ، وجب عليه تركه . وقوله: { قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ } علة لانتفاء التصديق ، لأنه تعالى لما أطلع رسوله على ما في ضمائرهم من الخبث والمكر والنفاق ، امتنع أن يصدقهم الرسول E في تلك الأعذار .

ثم قال: { وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } والمعنى أنهم كانوا يظهرون من أنفسهم عند تقرير تلك المعاذير حبًا للرسول E والمؤمنين وشفقة عليهم ورغبة في نصرتهم ، فقال تعالى: { وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } أنكم هل تبقون بعد ذلك على هذه الحالة التي تظهرونها من الصدق والصفاء ، أو لا تبقون عليها؟

ثم قال: { ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة } .

فإن قيل: لماقال: { وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } فلم لم يقل ، ثم تردون إليه ، وما الفائدة من قوله: { ثُمَّ } .

قلنا: في وصفه تعالى بكونه: { عالم الغيب والشهادة } ما يدل على كونه مطلعًا على بواطنهم الخبيثة ، وضمائرهم المملوءة من الكذب والكيد ، وفيه تخويف شديد ، وزجر عظيم لهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت