فهرس الكتاب

الصفحة 7905 من 8321

واعلم أنه سبحانه لما بين عظم هذا الذنب أتبعه بذكر لواحقه وأحكامه فأولها: قوله: { كَلاَّ } والمفسرون ذكروا فيه وجوهًا الأول: أنه ردع وتنبيه أي ليس الأمر على ماهم عليه من التطفيف والغفلة ، عن ذكر البعث والحساب فليرتدعوا ، وتمام الكلام ههنا الثاني: قال أبو حاتم: { كَلاَّ } ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقًا { إِنَّ كتاب الفجار لَفِى سِجّينٍ } وهو قول الحسن .

النوع الثاني: أنه تعالى وصف كتاب الفجار بالخيبة والحقارة على سبيل الاستخفاف بهم ، وههنا سؤالات .

السؤال الأول: السجين اسم علم لشيء معين أو اسم مشتق عن معنى؟ قلنا فيه قولان:

الأول: وهو قول جمهور المفسرين: أنه اسم علم على شيء معين ، ثم اختلفوا فيه ، فالأكثرون على أنه الأرض السابعة السفلى ، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد ، وروى البراء أنه عليه السلام قال:"سجين أسفل سبع أرضين"قال عطاء الخراساني: وفيها إبليس وذريته ، وروى أبو هريرة أنه عليه السلام قال:"سجين جب في جهنم"وقال الكلبي ومجاهد: سجين صخرة تحت الأرض السابعة .

القول الثاني: أنه مشتق وسمي سجينًا فعيلًا من السجن ، وهو الحبس والتضييق كما يقال: فسيق من الفسق ، وهو قول أبي عبيدة والمبرد والزجاج ، قال الواحدي: وهذا ضعيف والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه قوله: { وَمَا أَدْرَاكَ ما سجين } أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت وقومك . ولا أقول هذا ضعيف ، فلعله إنما ذكر ذلك تعظيمًا لأمر سجين . كما في قوله: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين } [ الإنفطار: 17 ] قال صاحب «الكشاف» : والصحيح أن السجين فعيل مأخوذ من السجن ، ثم إنه ههنا اسم علم منقول من صف كحاتم وهو منصرف ، لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف ، إذا عرفت هذا ، فنقول قد ذكرنا أن الله تعالى أجرى أمورًا مع عباده على ما تعارفوه من التعامل فيما بينهم وبين عظمائهم . فالجنة موصوفة بالعلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين ، والسجين موصوف بالتسفل والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملعونين ، ولا شك أن العلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين ، كل ذلك من صفات الكمال والعزة ، وأضدادها من صفات النقص والذلة ، فلما أريد وصف الكفرة وكتابهم بالذلة والحقارة ، قيل: إنه في موضع التسفل والظلمة والضيق ، وحضور الشياطين ، ولما وصف كتاب الأبرار بالعزة قيل: إنه { لَفِى عِلّيّينَ } [ المطففين: 18 ] . و { يَشْهَدُهُ المقربون } [ المطففين: 21 ] .

السؤال الثاني: قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه { فِى سِجّينٍ } ثم فسر سجينًا ب { كتاب مَّرْقُومٌ } فكأنه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه؟ أجاب القفال: فقال قوله: { كتاب مَّرْقُومٌ } ليس تفسيرًا لسجين ، بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ، وإن كتاب الفجار كتاب مرقوم ، فيكون هذا وصفًا لكتاب الفجار بوصفين أحدهما: أنه في سجين والثاني: أنه مرقوم ، ووقع قوله: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ } فيما بين الوصفين معترضًا ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت