فهرس الكتاب

الصفحة 2754 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بيّن أنهم طعنوا في كون القرآن معجزًا بأن قالوا: إنه من جنس أساطير الأولين وأقاصيص الأقدمين؛ بين في هذه الآية أنهم ينهون عنه وينأون عنه ، وقد سبق ذكر القرآن وذكر محمد عليه السلام ، فالضمير في قوله { عَنْهُ } محتمل أن يكون عائدًا إلى القرآن وأن يكون عائدًا إلى محمد E ، فلهذا السبب اختلف المفسرون فقال بعضهم: { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } أي عن القرآن وتدبره والاستماع له . وقال آخرون: بل المراد ينهون عن الرسول .

واعلم أن النهي عن الرسول عليه السلام محال بل لا بدّ وأن يكون المراد النهي عن فعل يتعلق به E ، وهو غير مذكور فلا جرم حصل فيه قولان: منهم من قال المراد أنهم ينهون عن التصديق بنبوّته والإقرار برسالته . وقال عطاء ومقاتل: نزلت في أبي طالب كان ينهى قريشًا عن إيذاء النبي E ، ثم يتباعد عنه ولا يتبعه على دينه .

والقول الأول: أشبه لوجهين: الأول: أن جميع الآيات المتقدمة على هذه الآية تقتضي ذم طريقتهم ، فكذلك قوله { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } ينبغي أن يكون محمولًا على أمر مذموم ، فلو حملناه على أن أبا طالب كان ينى عن إيذائه ، لما حصل هذا النظم . والثاني: أنه تعالى قال بعد ذلك { وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } يعني به ما تقدم ذكره . ولا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } النهي عن أذيته ، لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك .

فإن قيل: إن قوله { وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } يرجع إلى قوله { وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } لا إلى قوله { يَنْهَوْنَ عَنْهُ } لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه بمفارقة دينه ، وترك الموافقة له وذلك ذم فلا يصح ما رجحتم به هذا القول .

قلنا: إن ظاهر قوله { وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } يرجع إلى كل ما تقدم ذكره لأنه بمنزلة أن يقال: إن فلانًا يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه ولا يضر بذلك إلا نفسه ، فلا يكون هذا الضرر متعلقًا بأحد الأمرين دون الآخر .

المسألة الثانية: اعلم أن أولئك الكفار كانوا يعاملون رسول الله A بنوعين من القبيح . الأول: إنهم كانوا ينهون الناس عن قبول دينه والاقرار بنبوته . والثاني: كانوا ينأون عنه ، والنأي البعد يقال: نأى ينأى إذا بعد . ثم قال: { وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } قال ابن عباس ، أي وما يهلكون إلا أنفسهم بسبب تماديهم في الكفر وغلوهم فيه وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبونها إلى النار بما يرتكبون من الكفر والمعصية ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت