فهرس الكتاب

الصفحة 938 من 8321

اعلم أنا قد بينا أن الله تعالى استدل على صحة دين محمد E بوجوه ، بعضها إلزامية ، وهو أن هذا الدين دين إبراهيم فوجب قبوله ، وهو المراد بقوله: { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } [ البقرة: 130 ] وبعضها برهانية وهو قوله: { قُولُواْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط } [ البقرة: 136 ] ثم إنه سبحانه وتعالى عقب هذا الإستدلال بحكاية شبهتين لهم . إحداهما: قوله: { وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ } [ البقرة: 135 ] . والثانية: استدلالهم بإنكار النسخ على القدح في هذه الشريعة ، وهو قول: { سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا } [ البقرة: 142 ] وأطنب الله تعالى في الجواب عن الشبهة وبالحق فعل ذلك ، لأن أعظم الشبهة لليهود في إنكار نبوة محمد E النسخ ، فلا جرم أطنب الله تعالى في الجواب عن هذه الشبهة ، وختم ذلك الجواب بقوله: { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } فصار هذا الكلام مع ما فيه من الجواب عن الشبهة تنبيهًا على عظيم نعم الله تعالى ، ولا شك أن ذلك أشد استمالة لحصول العز والشرف في الدنيا ، والتخلص في الذل والمهانة يكون مرغوبًا فيه ، وعند اجتماع الأمرين فقد بلغ النهاية في هذا الباب .

أما قوله: { كَمَا أَرْسَلْنَا } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: هذا الكاف إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده ، فإن قلنا: إنه متعلق بما قبله ففيه وجوه . الأول: أنه راجع إلى قوله: { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } [ البقرة: 150 ] أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف ، وفي الآخرة بالفوز بالثواب ، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول . الثاني: أن إبراهيم عليه السلام قال: { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولًا مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُزَكّيهِمْ } [ البقرة: 129 ] وقال أيضًا: { وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } [ البقرة: 128 ] فكأنه تعالى قال: ولأتم نعمتي عليكم ببيان الشرائع ، وأهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم ، كما أرسلنا فيكم رسولًا إجابة لدعوته عن ابن جرير . الثالث: قول أبي مسلم الأصفهاني ، وهو أن التقدير: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا كما أرسلنا فيكم رسولًا ، أي كما أرسلنا فيكم رسولًا من شأنه وصفته كذا وكذا ، فكذلك جعلناكم أمة وسطًا ، وأما إن قلنا: أنّه متعلق بما بعده ، فالتقدير: كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يعلمكم الدين والشرع ، فاذكروني أذكركم وهو اختيار الأصم وتقريره إنكم كنتم على صورة لا تتلون كتابًا ، ولا تعلمون رسولًا ، ومحمد A رجل منكم ليس بصاحب كتاب ، ثم أتاكم بأعجب الآيات يتلوه عليكم بلسانكم وفيه ما في كتب الأنبياء ، وفيه الخبر عن أحوالهم ، وفيه التنبيه على دلائل التوحيد والمعاد وفيه التنبيه على الأخلاق الشريفة ، والنهي عن أخلاق السفهاء ، وفي ذلك أعظم البرهان على صدقه فقال: كما أوليتكم هذه النعمة وجعلتها لكم دليلًا ، فاذكروني بالشكر عليها ، أذكركم برحمتي وثوابي ، والذي يؤكده قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت