فهرس الكتاب

الصفحة 939 من 8321

{ لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } [ آل عمران: 164 ] فلما ذكرهم هذه النعمة والمنة ، أمرهم في مقابلتها بالذكر والشكر فإن قيل: { كما } هل يجوز أن يكون جوابًا؟ قلنا: جوزه الفراء وجعل لأذكروني جوابين . أحدهما: { كَمَا } . والثاني: { أَذْكُرْكُمْ } ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته ، ولما سلف من نعمته ، قال القاضي: والوجه الأول أولى لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى .

المسألة الثانية: في وجه التشبيه قولان: إن قلنا لكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح ، وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى: { اذكروني } دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة .

المسألة الثالثة: { مَا } في قوله: { كَمَا أَرْسَلْنَا } مصدرية كأنه قيل: كإرسالنا فيكم ، ويحتمل أن تكون كافة .

أما قوله تعالى: { فيكُمْ } فالمراد به العرب وكذلك قوله: { مّنكُمْ } وفي إرساله فيهم ومنهم ، نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه الشرف ، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الإنقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب .

أما قوله تعالى: { يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءاياتنا } فاعلم أنه من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ، ولأنه يتلى فيتأدى به العبادات ، ولأنه يتلى فيستفاد منه جميع العلوم ، ولأنه يتلى فيستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة ، فكأنه يحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة .

أما قوله: { وَيُزَكِيكُمْ } ففيه أقوال . أحدها: أنه E يعلمهم ما إذا تمسكوا به صاروا أزكياء عن الحسن . وثانيها: يزكيهم بالثناء والمدح ، أي يعلم ما أنتم عليه من محاسن الأخلاق فيصفكم به ، كما يقال: إن المزكي زكي الشاهد ، أي وصفه بالزكاء . وثالثها: أن التزكية عبارة عن التنمية ، كأنه قال يكثركم ، كما قال: { إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ } [ الأعراف: 86 ] وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا ، عن أبي مسلم ، قال القاضي: وهذه الوجوه غير متنافية فلعله تعالى يفعل بالمطيع كل ذلك .

أما قوله تعالى: { وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب } فليس بتكرار لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم ، وأما { الحكمة } فهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها ، ولذلك قال الشافعي Bه { الحكمة } هي سنة الرسول عليه السلام .

أما قوله: { وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } فهذا تنبيه على أنه تعالى أرسله على حين فترة من الرسل وجهالة من الأمم ، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم فبعث الله تعالى محمدًا بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم وذلك من أعظم أنواع النعم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت