وفي المقسم عليه وجوه أحدها: { مَّا تُوعَدُونَ } أي ما توعدون لحق يؤيده قوله تعالى: { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لصادق } [ الذاريات: 5 ] وعلى هذا يعود كل ما قلناه من وجوه { مَّا تُوعَدُونَ } إن قلنا إن ذلك هو الجنة فالمقسم عليه هو هي . ثانيها: الضمير راجع إلى القرآن أي أن القرآن حق وفيما ذكرناه في قوله تعالى: { يُؤْفَكُ عَنْهُ } [ الذاريات: 9 ] دليل هذه وعلى هذا فقوله: { مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } معناه تكلم به الملك النازل من عند الله به مثل ما أنكم تتكلمون وسنذكره . ثالثها: أنه راجع إلى الدين كما في قوله تعالى: { وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ } [ الذاريات: 6 ] . رابعها: أنه راجع إلى اليوم المذكور في قوله: { أَيَّانَ يَوْمُ الدين } [ الذاريات: 12 ] يدل عليه وصف الله اليوم بالحق في قوله تعالى: { ذَلِكَ اليوم الحق } [ النبأ: 39 ] . خامسها: أنه راجع إلى القول الذي يقال: { هذا الذى كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } [ الذاريات: 14 ] وفي التفسير مباحث:
الأول: الفاء تستدعي تعقيب أمر لأمر فما الأمر المتقدم؟ نقول فيه وجهان . أحدهما: الدليل المتقدم كأنه تعالى يقول: إن ما توعدون لحق بالبرهان المبين ، ثم بالقسم واليمين . ثانيهما: القسم المتقدم كأنه تعالى يقول: { والذريات } ثم { وَرَبُّ السماء والأرض } وعلى هذا يكون الفاء حرف عطف أعيد معه حرف القسم كما يعاد الفعل إذ يصح أن يقال ومررت بعمرو ، فقوله: { والذريات ذَرْوًا فالحاملات وِقْرًا } [ الذاريات: 1 ، 2 ] عطف من غير إعادة حرف القسم ، وقوله: { فَوَرَبّ السماء } مع إعادة حرفه ، والسبب فيه وقوع الفصل بين القسمين ، ويحتمل أن يقال الأمر المتقدم هو بيان الثواب في قوله: { يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ } [ الذاريات: 13 ] وقوله: { إِنَّ المتقين فِى جنات } [ الذاريات: 15 ] وفيه فائدة ، وهو أن الفاء تكون تنبيهًا على أن لا حاجة إلى اليمين مع ما تقدم من الكشف المبين ، فكأنه يقول ورب السماء والأرض إنه لحق ، كما يقول القائل بعدما يظهر دعواه هذا والله إن الأمر كما ذكرت فيؤكد قوله باليمين ، ويشير إلى ثبوته من غير يمين .
البحث الثاني: أقسم من قبل بالأمور الأرضية وهي الرياح وبالسماء في قوله: { والسماء ذَاتِ الحبك } [ الذاريات: 7 ] ولم يقسم بربها ، وههنا أقسم بربها نقول كذلك الترتيب يقسم المتكلم أولًا بالأدنى فإن لم يصدق به يرتقي إلى الأعلى ، ولهذا قال بعض الناس إذا قال قائل وحياتك ، والله لا يكفر وإذا قال: والله وحياتك لا شك يكفر وهذا استشهاد ، وإن كان الأمر على خلاف ما قاله ذلك القائل لأن الكفر إما بالقلب ، أو باللفظ الظاهر في أمر القلب ، أو بالفعل الظاهر ، وما ذكره ليس بظاهر في تعظيم جانب غير الله ، والعجب من ذلك القائل أنه لا يجعل التأخير في الذكر مفيدًا للترتيب في الوضوء وغيره .
البحث الثالث: قرىء مثل بالرفع وحينئذ يكون وصفًا لقوله لحق ومثل وإن أضيف إلى المعرفة لا يخرجه عن جواز وصف المنكر به ، تقول رأيت رجلًا مثل عمرو ، لأنه لا يفيده تعريفًا لأنه في غاية الإبهام وقرىء: { مَثَلُ } بالنصب ، ويحتمل وجهين . أحدهما: أن يكون مفتوحًا لإضافته إلى ما هو ضعيف وإلا جاز أن يقال زيد قاتل من يعرفه أو ضارب من يشتمه . ثانيهما: أن يكون منصوبًا على البيان تقديره لحق حقًا مثل ، ويحتمل أن يقال إنه منصوب على أنه صفة مصدر معلوم غير مذكور ، ووجهه أنا دللنا أن المراد من الضمير في قوله: { إِنَّهُ } هو القرآن فكأنه قال إن القرآن لحق نطق به الملك نطقًا { مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } وما مجرور لا شك فيه .