اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الاخلاص وترك النفاق ، والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس ، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون ، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم ، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة ، فليقبلوها بالاخلاص وليتركوا التمرد والعناد حتى ينالوا خير الدارين ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي: { أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم } بضم النون في «أن» وضم واو «أو» والسبب فيه نقل ضمة { اقتلوا } وضمة { أَخْرِجُواْ } اليهما ، وقرأ عاصم وحمزة بالكسر فيهما لالتقاء الساكنين ، وقرأ أبو عمرو بكسر النون وضم الواو ، وقال الزجاج: ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية . وقال غيره: أما كسر النون فلأن الكسر هو الأصل لالتقاء الساكنين ، وأما ضم الواو فلأن الضمة في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير . واتفق الجمهور على الضم في واو الضمير نحو { اشتروا الضلالة } [ البقرة: 16 ] { وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل } [ البقرة: 237 ] .
المسألة الثانية: الكناية في قوله: { مَّا فَعَلُوهُ } عائدة إلى القتل والخروج معا ، وذلك لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه ، واختلف القراء في قوله: { إِلاَّ قَلِيلٌ } فقرأ ابن عامر { قَلِيلًا } بالنصب ، وكذا هو في مصاحف أهل الشام ومصحف أنس بن مالك ، والباقون بالرفع ، أما من نصب فقاس النفي على الاثبات ، فإن قولك: ما جاءني أحد كلام تام ، كما أن قولك: جاءني القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوبًا في الإثبات فكذا مع النفي ، والجامع كون المستثنى فضلة جاءت بعد تمام الكلام ، وأما من رفع فالسبب أنه جعله بدلا من الواو في { فَعَلُوهُ } وكذلك كل مستثنى من منفي ، كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد ، برفع زيد على البدل من أحد ، فيحمل إعراب ما بعد «إلا» على ما قبلها . وكذلك في النصب والجر ، كقولك: ما رأيت أحدًا الا زيدًا ، وما مررت بأحد إلا زيد . قال أبو علي الفارسي: الرفع أقيس ، فإن معنى ما أتى أحد إلا زيد ، وما أتاني الا زيد واحد ، فكما اتفقوا في قولهم ما أتاني الا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم: ما أتاني أحد الا زيد بمنزلته .
المسألة الثالثة: الضمير في قوله: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } فيه قولان: الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد أنه عائد إلى المنافقين ، وذلك لأنه تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم ، فقال تعالى: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله الا قليل رياء وسمعة ، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم ، فاذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليقبلوا الايمان على سبيل الاخلاص ، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر القفال . الثاني: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم ، وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق ، وأما الضمير في قوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } فهو مختص بالمنافقين ، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا ، وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين ، روي أن ثابت بن قيس بن شماس ناظر يهوديا ، فقال اليهودي: إن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك ، وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه ، فقال: يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك ، فنزلت هذه الآية . وروي أن ابن مسعود قال مثل ذلك ، فنزلت هذه الآية . وقال النبي A: