المسألة الخامسة: دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الخطأ في الفتوى وفي الأحكام ، لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الايجاب وبين انه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب ، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم ، فهذا يدل على أن قوله: { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُم } [ التوبة: 43 ] وأن فتواه في أسارى بدر ، وأن قوله: { لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ } [ التحريم: 1 ] وأن قوله: { عَبَسَ وتولى } [ عبس: 1 ] كل ذلك محمول على الوجوه التي لخصناها في هذا الكتاب .
المسألة السادسة: من الفقهاء من تمسك بقوله تعالى: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مّمَّا قَضَيْتَ } على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وهو ضعيف لأن القضاء هو الالزام ، ولا نزاع في أنه للوجوب .
المسألة السابعة: ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس ، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الاطلاق ، وانه لا يجوز العدول عنه إلى غيره ، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف ، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس ، وقوله: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مّمَّا قَضَيْتَ } مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي الى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس ، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت الى ذلك الحرج ، ويسلم النص تسليما كليا ، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف .
المسألة الثامنة: قالت المعتزلة: لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء الله تعالى لزم التناقض ، وذلك لأن الرسول اذا قضى على إنسان بأنه ليس له أن يفعل الفعل الفلاني وجب على جميع المكلفين الرضا بذلك لأنه قضاء الرسول . والرضا بقضاء الرسول واجب لدلالة هذه الآية ، ثم لو أن ذلك الرجل فعل ذلك الفعل على خلاف فتوى الرسول ، فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكان ذلك الفعل بقضاء الله ، والرضا بقضاء الله واجب ، فيلزم أن يجب على المكلفين الرضا بذلك الفعل . لأنه قضاء الله ، فوجب أن يلزمهم الرضا بالفعل والترك معا ، وذلك محال .
والجواب: أن المراد من قضاء الرسول الفتوى المشروعة ، والمراد من قضاء الله التكوين والايجاد ، وهما مفهومان متغايران ، فالجمع بينهما لا يفضي إلى التناقض .