اعلم أنا بينا أن مدار أمر القرآن على تقدير هذه المسائل الأربع ، وهي التوحيد والنبوة والمعاد والقضاء والقدر ، ولا شك أن مدار إثبات المعاد على إثبات التوحيد والقدرة والعلم ، فلما بالغ الله تعالى في تقرير أمر المعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على التوحيد ، وكمال القدرة ، والعلم ، لتصير تلك الدلائل مقررة لأصول التوحيد ، ومقررة أيضًا لإثبات المعاد وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: حكى الواحدي عن الليث أنه قال: الأصل في الست والستة سدس وسدسة أبدل السين تاء ، ولما كان مخرج الدال والتاء قريبًا أدغم أحدهما في الآخر واكتفى بالتاء ، عليه أنك تقول في تصغير ستة سديسة ، وكذلك الأسداس وجميع تصرفاته يدل عليه . والله أعلم .
المسألة الثانية: { الخلق } التقدير على ما قررناه فخلق السموات والأرض إشارة إلى تقدير حالة من أحوالهما ، وذلك التقدير يحتمل وجوهًا كثيرة: أولها: تقدير ذواتهما بمقدار معين مع أن العقل يقضي بأن الأزيد منه والأنقص منه جائز ، فاختصاص كل واحد منهما بمقداره المعين لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص ، وذلك يدل على افتقار خلق السموات والأرض إلى الفاعل المختار . وثانيها: أن كون هذه الأجسام متحركة في الأزل محال ، لأن الحركة انتقال من حال إلى حال ، فالحركة يجب كونها مسبوقة بحالة أخرى ، والأزل ينافي المسبوقية فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالًا .
إذا ثبت هذا فنقول: هذه الأفلاك والكواكب إما أن يقال: أن ذواتها كانت معدومة في الأزل ثم وجدت ، أو يقال: إنها وإن كانت موجودة لكنها كانت واقفة ساكنة في الأزل ، ثم ابتدأت بالحركة ، وعلى التقديرين فتلك الحركات ابتدأت بالحدوث والوجود في وقت معين مع جواز حصولها قبل ذلك الوقت وبعده ، وإذا كان كذلك كان اختصاص ابتداء تلك الحركات بتلك الأوقات المعينة تقديرًا وخلقًا ، ولا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر ومختار . وثالثها: أن أجرام الأفلاك والكواكب والعناصر مركبة من أجزاء صغيرة ، ولا بد وأن يقال: إن بعض تلك الأجزاء حصلت في داخل تلك الأجرام وبعضها حصلت على سطوحها فاختصاص حصول كل واحدة من تلك الأجزاء بحيزه المعين ووضعه المعين لا بد وأن يكون لتخصيص المخصص القادر المختار . ورابعها: أن بعض الأفلاك أعلى من بعض ، وبعض الكواكب حصل في المنطقة وبعضها في القطبين ، فاختصاص كل واحد منهما بموضعه المعين لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص قادر مختار . وخامسها: أن كل واحد من الأفلاك متحرك إلى جهة مخصوصة ، وحركة مختصة بمقدار معين مخصوص من البطء والسرعة ، وذلك أيضًا خلق وتقدير ويدل على وجود المخصص القادر . وسادسها: أن كل واحد من الكواكب مختص بلون مخصوص مثل كمودة زحل ، ودرية المشتري ، وحمرة المريخ ، وضياء الشمس ، وإشراق الزهرة ، وصفرة عطارد ، وزهور القمر ، والأجسام متماثلة في تمام الماهية فكان اختصاص كل واحد منها بلونه المعين خلقًا وتقديرًا ودليلًا على افتقارها إلى الفاعل المختار . وسابعها: أن الأفلاك والعناصر مركبة من الأجزاء الصغيرة ، وواجب الوجود لا يكون أكثر من واحد فهي ممكنة الوجود في ذواتها ، فكل ما كان ممكنًا لذاته فهو محتاج إلى المؤثر ، والحاجة إلى المؤثر لا تكون في حال البقاء ، وإلا لزم تكون الكائن فتلك الحاجة لا تحصل إلا في زمان الحدوث ، أو في زمان العدم وعلى التقديرين فيلزم كون هذه الأجزاء محدثة ومتى كانت محدثة كان حدوثها مختصًا بوقت معين وذلك خلق وتقدير ويدل على الحاجة إلى الصانع القادر المختار . وثامنها: أن هذه الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما محدثان ، وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث ، فهذه الأجسام محدثة ، وكل محدث فقد حصل حدوثه في وقت معين ، وذلك خلق وتقدير ولا بد له من الصانع القادر المختار . وتاسعها: أن الأجسام متماثلة فاختصاص بعضها بالصفات التي لأجلها كانت سموات وكواكب ، والبعض الآخر بالصفات التي لأجلها كانت أرضًا أو ماء أو هواء أو نارًا لا بد وأن يكون أمرًا جائزًا ، وذلك لا يحصل إلا بتقدير مقدر وتخصيص مخصص وهو المطلوب . وعاشرها: أنه كما حصل الامتياز المذكور بين الأفلاك والعناصر فقد حصل أيضًا مثل هذا الامتياز بين الكواكب وبين الأفلاك وبين العناصر ، بل حصل مثل هذا الامتياز بين كل واحد من الكواكب ، وذلك يدل على الافتقار إلى الفاعل القادر المختار .