اعلم أن عادته تعالى في القرآن أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص ليفيد الاعتبار للسامع ، ويحمله ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد ، ومزيد الخضوع والانقياد فقال: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم } أما قوله: { أَلَمْ تَرَ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن الرؤية قد تجىء بمعنى رؤية البصيرة والقلب ، وذلك راجع إلى العلم ، كقوله: { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } [ البقرة: 128 ] معناه: علمنا ، وقال: { لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله } [ النساء: 105 ] أي علمك ، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به ، وفيما لا يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء: ألم تر إلى ما جرى على فلان ، فيكون هذا ابتداء تعريف ، فعلى هذا يجوز أن يكون النبي A لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية ، ويجوز أن نقول: كان العلم بها سابقًا على نزول هذه الآية ، ثم إن الله تعالى أنزل هذه الآية على وفق ذلك العلم .
المسألة الثانية: هذا الكلام ظاهره خطاب مع النبي A إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد هو وأمته ، إلا أنه وقع الابتداء بالخطاب معه ، كقوله تعالى: { ياأيها النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } [ الطلاق: 1 ] .
المسألة الثالثة: دخول لفظة { إلى } في قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين } يحتمل أن يكون لأجل أن { إلى } عندهم حرف للانتهاء كقولك: من فلان إلى فلان ، فمن علم بتعليم معلم ، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك المعلوم وأنهاه إليه ، فحسن من هذا الوجه دخول حرف { إلى } فيه ، ونظيره قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل } [ الفرقان: 45 ] .
أما قوله: { إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم } ففيه روايات أحدها: قال السدي: كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها ، والذين بقوا مات أكثرهم ، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء ، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين هربوا سالمين ، فقال من بقي من المرضى: هؤلاء أحرص منا ، لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات ، ولئن وقع الطاعون ثانيًا خرجنا فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفًا ، فلما خرجوا من ذلك الوادي ، ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا ، فهلكوا وبليت أجسامهم ، فمر بهم نبي يقال له حزقيل ، فلما رآهما وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ فقال نعم فقيل له: ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام ثم أوحى الله إليه: ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحمًا ودمًا ، فصارت لحمًا ودمًا ، ثم قيل: ناد إن الله يأمرك أن تقومي فقامت ، فلما صاروا أحياء قاموا ، وكانوا يقولون: «سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت» ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم ، وكانت أمارات أنهم ماتوا ظاهرة في وجوههم ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم .