فهرس الكتاب

الصفحة 2650 من 8321

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: روي أنه لما نزلت آية تحريم الخمر قالت الصحابة: إن إخواننا كانوا قد شربوا الخمر يوم أحد ثم قتلوا فكيف حالهم ، فنزلت هذه الآية والمعنى: لا إثم عليهم في ذلك لأنهم شربوها حال ما كانت محللة ، وهذه الآية مشابهة لقوله تعالى في نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } [ البقرة: 143 ] أي إنكم حين استقبلتم بيت المقدس فقد استقبلتموه بأمري فلا أضيع ذلك ، كما قال: { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ وأنثى } [ آل عمران: 195 ] .

المسألة الثانية: الطعام في الأغلب من اللغة خلاف الشراب ، فكذلك يجب أن يكون الطُّعْمُ خلاف الشرب ، إلا أن اسم الطعام قد يقع على المشروبات ، كما قال تعالى: { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } [ البقرة: 249 ] وعلى هذا يجوز أن يكون قوله { جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ } أي شربوا الخمر ، ويجوز أن يكون معنى الطُّعْمُ راجعًا إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب ، وقد تقول العرب: تطعم تطعم أي ذق حتى تشتهي وإذا كان معنى الكلمة راجعًا إلى الذوق صلح للمأكول والمشروب معًا .

المسألة الثالثة: زعم بعض الجهال أنه تعالى لما بيّن في الخمر أنها محرّمة عندما تكون موقعة للعداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة ، بيّن في هذه الآية أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد ، بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى ، والاحسان إلى الخلق . قالوا: ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم ، لأنه لو كان المراد ذلك لقال: ما كان جناح على الذين طعموا ، كما ذكر مثل ذلك في آية تحويل القبلة فقال { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } [ البقرة: 143 ] ولكنه لم يقل ذلك ، بل قال: { لَيْسَ عَلَى الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ } إلى قوله { إذا ما اتقوا وآمنوا } ولا شك أن إذا للمستقبل لا للماضي .

واعلم أن هذا القول مردود بإجماع كل الأمة وقولهم: إن كلمة إذا للمستقبل لا للماضي .

فجوابه ما روى أبو بكر الأصم: أنه لما نزل تحريم الخمر ، قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرّم الخمر وهم يطعمونها ، فأنزل الله هذه الآيات ، وعلى هذا التقدير فالحل قد ثبت في الزمان المستقبل عن وقت نزول هذه الآية لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص .

المسألة الرابعة: أنه تعالى شرط لنفي الجناح حصول التقوى والايمان مرتين وفي المرة الثالثة حصول التقوى والاحسان واختلفوا في تفسير هذه المراتب الثلاث على وجوه قال الأكثرون: الأول: عمل الاتقاء ، والثاني: دوام الاتقاء والثبات عليه ، والثالث: اتقاء ظلم العباد مع ضم الاحسان إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت