اعلم أن قوله: { أولئك } إشارة إلى الذين مضى ذكرهم قبل ذلك وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله تعالى قبل ذلك ، ثم ذكر تعالى أنه آتاهم الكتاب والحكم والنبوة .
واعلم أن العطف يوجب المغايرة ، فهذه الألفاظ الثلاثة لا بد وأن تدل على أمور ثلاثة متغايرة .
واعلم أن الحكام على الخلق ثلاث طوائف: أحدها: الذين يحكمون على بواطن الناس وعلى أرواحهم ، وهم العلماء . وثانيها: الذين يحكمون على ظواهر الخلق ، وهم السلاطين يحكمون على الناس بالقهر والسلطنة ، وثالثها: الأنبياء ، وهم الذين أعطاهم الله تعالى من العلوم والمعارف ما لأجله بها يقدرون على التصرف في بواطن الخلق وأرواحهم ، وأيضًا أعطاهم من القدرة والمكنة ما لأجله يقدرون على التصرف في ظواهر الخلق ، ولما استجمعوا هذين الوصفين لا جرم كانوا هم الحكام على الإطلاق .
إذا عرفت هذه المقدمة فقوله: { آتيناهم الكتاب } إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم العلم الكثير وقوله: { والحكم } إشارة إلى أنه تعالى جعلهم حكامًا على الناس نافذي الحكم فيهم بحسب الظاهر . وقوله: { والنبوة } إشارة إلى المرتبة الثالثة ، وهي الدرجة العالية الرفيعة الشريفة التي يتفرع على حصولها حصول المرتبتين المقدمتين المذكورتين ، وللناس في هذه الألفاظ الثلاثة تفسيرات كثيرة ، والمختار عندنا ما ذكرناه .
واعلم أن قوله: { آتيناهم الكتاب } يحتمل أن يكون المراد من هذا الإيتاء الابتداء بالوحي والتنزيل عليه كما في صحف إبراهيم وتوراة موسى ، وإنجيل عيسى عليه السلام ، وقرآن محمد A . ويحتمل أن يكون المراد منه أن يؤتيه الله تعالى فهمًا تامًا لما في الكتاب وعلمًا محيطًا بحقائقه وأسراره ، وهذا هو الأولى . لأن الأنبياء الثمانية عشر المذكورين ما أنزل الله تعالى على كل واحد منهم كتابًا إلهيًا على التعيين والتخصيص .
ثم قال تعالى: { فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء } والمرادفان يكفر بهذا التوحيد والطعن في الشرك كفار قريش { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اختلفوا في أن ذلك القوم من هم؟ على وجوه ، فقيل: هم أهل المدينة وهم الأنصار ، وقيل: المهاجرون والأنصار ، وقال الحسن: هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم وهو اختيار الزجاج . قال الزجاج: والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: { أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } وقال أبو رجاء: يعني الملائكة وهو بعيد لأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم ، وقال مجاهد هم الفرس ، وقال ابن زيد: كل من لم يكفر فهو منهم سواء كان ملكًا أو نبيًا أو من الصحابة أو من التابعين .
المسألة الثانية: قوله تعالى: { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين } يدل على أنه إنما خلقهم للإيمان . وأما غيرهم فهو تعالى ما خلقهم للإيمان ، لأنه تعالى لو خلق الكل للإيمان كان البيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركًا فيه بين المؤمن وغير المؤمن ، وحينئذ لا يبقى لقوله: { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين } معنى .