إعلم أن هذا الكلام يحتمل وجهين:
الاحتمال الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه قيوم ، والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق ومهماتهم ، وكونه كذلك لا يتم إلا بمجموع أمرين أحدهما: أن يكون عالمًا بحاجاتهم على جميع وجوه الكمية والكيفية والثاني: أن يكون بحيث متى علم جهات حاجاتهم قدر على دفعها ، والأول: لا يتم إلا إذا كان عالمًا بجميع المعلومات ، والثاني: لا يتم إلا إذا كان قادرًا على جميع الممكنات ، فقوله { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات ، فحينئذ يكون عالمًا لا محالة مقادير الحاجات ومراتب الضرورات ، لا يشغله سؤال عن سؤال ، ولا يشتبه الأمر عليه بسبب كثرة أسئلة السائلين ثم قوله { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء } إشارة إلى كونه تعالى قادرًا على جميع الممكنات ، وحينئذ يكون قادرًا على تحصيل مصالح جميع الخلق ومنافعهم ، وعند حصول هذين الأمرين يظهر كونه قائمًا بالقسط قيومًا بجميع الممكنات والكائنات ، ثم فيه لطيفة أخرى ، وهي أن قوله { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } كما ذكرناه إشارة إلى كمال علمه سبحانه ، والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالمًا لا يجوز أن يكون هو السمع ، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالمًا بجميع المعلومات ، بل الطريق إليه ليس إلا الدليل العقلي ، وذلك هو أن نقول: إن أفعال الله تعالى محكمة متقنة ، والفعل المحكم المتقن يدل على كون فاعله عالمًا ، فلما كان دليل كونه تعالى عالمًا هو ما ذكرنا ، فحين ادعى كونه عالمًا بكل المعلومات بقوله { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } أتبعه بالدليل العقلي الدال على ذلك ، وهو أنه هو الذي صور في ظلمات الأرحام هذه البنية العجيبة ، والتركيب الغريب ، وركبه من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة ، فبعضها عظام ، وبعضها غضاريف ، وبعضها شرايين ، وبعضها أوردة ، وبعضها عضلات ، ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن ، والتأليف الأكمل ، وذلك يدل على كمال قدرته حيث قدر أن يخلق من قطرة من النطفة هذه الأعضاء المختلفة في الطبائع والشكل واللون ، ويدل على كونه عالمًا من حيث إن الفعل المحكم لا يصدر إلا عن العالم ، فكان قوله { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء } دالًا على كونه قادرًا على كل الممكنات ، ودالًا على صحة ما تقدم من قوله { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } وإذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، وقادر على كل الممكنات ، ثبت أنه قيوم المحدثات والممكنات ، فظهر أن هذا كالتقرير لما ذكره تعالى أولًا من أنه هو الحي القيوم ، ومن تأمل في هذه اللطائف علم أنه لا يعقل كلام أكثر فائدة ، ولا أحسن ترتيبًا ، ولا أكثر تأثيرًا في القلوب من هذه الكلمات .