فهرس الكتاب

الصفحة 4444 من 8321

اعلم أن الإنسان إما أن يكون مقيمًا أو مسافرًا ، والمسافر إما أن يكون غنيًا يمكنه استصحاب الخيام والفساطيط ، أو لا يمكنه ذلك فهذه أقسام ثلاثة:

أما القسم الأول: فإليه الإشارة بقوله: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا } .

وأما القسم الثاني: فإليه الإشارة بقوله: { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا }

وأما القسم الثالث: فإليه الإشارة بقوله: { والله جعل لكم مما خلق ظلالًا } وذلك لأن المسافر إذا لم يكن له خيمة يستظل بها فإنه لا بد وأن يستظل بشيء آخر كالجدران والأشجار وقد يستظل بالغمام كما قال: { وظللنا عليكم الغمام } [ البقرة: 57 ] .

ثم قال: { وجعل لكم من الجبال أكنانًا } واحد الأكنان كن على قياس أحمال وحمل ، ولكن المراد كل شيء وقى شيئًا ، ويقال استكن وأكن إذا صار في كن .

واعلم أن بلاد العرب شديدة الحر ، وحاجتهم إلى الظل ودفع الحر شديدة ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه المعاني في معرض النعمة العظيمة ، وأيضًا البلاد المعتدلة والأوقات المعتدلة نادرة جدًا والغالب إما غلبة الحر أو غلبة البرد . وعلى كل التقديرات فلا بد للإنسان من مسكن يأوي إليه ، فكان الإنعام بتحصيله عظيمًا ، ولما ذكر تعالى أمر المسكن ذكر بعده أمر الملبوس فقال: { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم } السرابيل القمص واحدها سربال ، قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال من قميص أو درع أو جوشن أو غيره ، والذي يدل على صحة هذا القول أنه جعل السرابيل على قسمين: أحدهما: ما يكون واقيًا من الحر والبرد . والثاني: ما يتقى به عن البأس والحروب ، وذلك هو الجوشن وغيره ، وذلك يدل على أن كل واحد من القسمين من السرابيل .

فإن قيل: لم ذكر الحر ولم يذكر البرد؟

أجابوا عنه من وجوه:

الوجه الأول: قال عطاء الخراساني: المخاطبون بهذا الكلام هم العرب وبلادهم حارة فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحر فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد كما قال: { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها } [ النحل: 80 ] وسائر أنواع الثياب أشرف ، إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع لأنه كان إلفتهم بها أشد ، واعتيادهم للبسها أكثر ، ولذلك قال: { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } [ النور: 43 ] لمعرفتهم بذلك وما أنزل من الثلج أعظم ولكنهم كانوا لا يعرفونه .

والوجه الثاني: في الجواب قال المبرد: إن ذكر أحد الضدين تنبيه على الآخر ، قلت ثبت في العلوم العقلية أن العلم بأحد الضدين يستلزم العلم بالضد الآخر ، فإن الإنسان متى خطر بباله الحر خطر بباله أيضًا البرد ، وكذا القول في النور والظلمة والسواد والبياض ، فلما كان الشعور بأحدهما مستتبعًا للشعور بالآخر ، كان ذكر أحدها مغنيًا عن ذكر الآخر .

والوجه الثالث: قال الزجاج: ما وقى من الحر وقى من البرد ، فكان ذكر أحدهما مغنيًا عن ذكر الآخر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت