فهرس الكتاب

الصفحة 7102 من 8321

أي في كل واحدة منهما عين جارية ، كما قال تعالى: { فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } وفي كل واحدة منهما من الفواكه نوعان ، وفيها مسائل بعضها يذكر عند تفسير قوله تعالى: { فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فِيهِمَا فاكهة وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } [ الرحمن: 66 - 68 ] وبعضها يذكر ههنا .

المسألة الأولى: هي أن قوله: { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } [ الرحمن: 48 ] و { فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } و { فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ } كلها أوصاف للجنتين المذكورتين فهو كالكلام الواحد تقديره: جنتان ذواتا أفنان ، ثابت فيهما عينان ، كائن فيهما من كل فاكهة زوجان ، فإن قيل: ما الفائدة في فصل بعضها عن بعض بقوله تعالى: { فَبِأَىّ ءَالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } ثلاث مرات مع أنه في ذكر العذاب ما فصل بين كلامين بها حيث قال: { يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ } [ الرحمن: 35 ] مع أن إرسال نحاس غير إرسال شواظ ، وقال: { يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ } [ الرحمن: 44 ] مع أن الحميم غير الجحيم ، وكذا قال تعالى: { هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذّبُ بِهَا المجرمون } [ الرحمن: 43 ] وهو كلام تام ، وقوله تعالى: { يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ } [ الرحمن: 44 ] كلام آخر ولم يفصل بينهما بالآية المذكورة؟ نقول: فيه تغليب جانب الرحمة ، فإن آيات العذاب سردها سردًا وذكرها جملة ليقصر ذكرها ، والثواب ذكره شيئًا فشيئًا ، لأن ذكره يطيب للسامع فقال بالفصل وتكرار عود الضمير إلى الجنس بقوله: { فِيهِمَا عَيْنَانِ } ، { فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة } لأن إعادة ذكر المحبوب محبوب ، والتطويل بذكر اللذات مستحسن .

المسألة الثانية: قوله تعالى: { فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } أي في كل واحدة عين واحدة كما مر ، وقوله: { فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ } معناه كل واحدة منهما زوج ، أو معناه في كل واحدة منهما من الفواكه زوجان ، ويحتمل أن يكون المراد مثل ذلك أي في كل واحدة من الجنتين زوج من كل فاكهة ففيهما جميعًا زوجان من كل فاكهة ، وهذا إذا جعلنا الكنايتين فيهما للزوجين ، أو نقول: من كل فاكهة لبيان حال الزوجين ، ومثاله إذا دخلت من على ما لا يمكن أن يكون كائنًا في شيء كقولك: في الدار من الشرق رجل ، أي فيها رجل من الشرق ، ويحتمل أن يكون المراد في كل واحدة منها زوجان ، وعلى هذا يكون كالصفة بما يدل عليه من كل فاكهة كأنه قال: فيهما من كل فاكهة ، أي كائن فيهما شيء من كل فاكهة ، وذلك الكائن زوجان ، وهذا بين فيما تكون من داخله على ما لا يمكن أن يكون هناك كائن في الشيء غيره ، كقولك: في الدار من كل ساكن ، فإذا قلنا: فيهما من كل فاكهة زوجان الثالث: عند ذكر الأفنان لو قال: فيهما من كل فاكهة زوجان كان متناسبًا لأن الأغصان عليها الفواكه ، فما الفائدة في ذكر العينين بين الأمرين المتصل أحدهما بالآخر؟ نقول: جرى ذكر الجنة على عادة المتنعمين ، فإنهم إذا دخلوا البستان لا يبادرون إلى أكل الثمار بل يقدمون التفرج على الأكل ، مع أن الإنسان في بستان الدنيا لا يأكل حتى يجوع ويشتهي شهوة مؤلمة فكيف في الجنة فذكر ما يتم به النزهة وهو خضرة الأشجار ، وجريان الأنهار ، ثم ذكر ما يكون بعد النزهة وهو أكل الثمار ، فسبحان من يأتي بالآي بأحسن المعاني في أبين المباني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت