فيه مسائل:
المسألة الأولى: أيعذبكم لأجل التشفي ، أم لطلب النفع ، أم لدفع الضرر ، كل ذلك محال في حقه لأنه تعالى غني لذاته عن الحاجات ، منزّه عن جلب المنافع ودفع المضار ، وإنما المقصود منه حمل المكلفين على فعل الحسن والاحتراز عن القبيح ، فإذا أتيتم بالحسن وتركتم القبيح فكيف يليق بكرمه أن يعذبكم .
المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على قولنا ، وذلك لأنها دالة على أنه سبحانه ما خلق خلقًا لأجل التعذيب والعقاب ، فإن قوله { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ } صريح في أنه لم يخلق أحدًا لغرض التعذيب ، وأيضًا الآية تدل على أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وليس ذلك فعلًا لله تعالى ، وإلا لصار التقدير: ما يفعل الله بعذابكم إذا خلق الشكر والإيمان فيكم ومعلوم أن هذا غير منتظم ، وقد سبق الجواب عن هذه الكلمات .
المسألة الثالثة: قال أصحابنا: دلت هذه الآية على أنه لا يعذب صاحب الكبيرة لأنا نفرض الكلام فيمن شكر وآمن ثم أقدم على الشرب أو الزنا ، فهذا وجب أن لا يعاقب بدليل قوله تعالى: { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ } فإن قالوا لا نسلم أن صاحب الكبيرة مؤمن ، قلنا: ذكرنا الوجوه الكثيرة في هذا الكتاب على أنه مؤمن .
المسألة الرابعة: في تقدم الشكر على الإيمان وجهان: الأول: أنه على التقديم والتأخير ، أي إن آمنتم وشكرتم ، لأن الإيمان مقدم على سائر الطاعات . الثاني: إذا قلنا: الواو لا توجب الترتيب فالسؤال زائل . الثالث: أن الإنسان إذا نظر في نفسه رأى النعمة العظيمة حاصلة في تخليقها وترتيبها فيشكر شكرًا مجملًا ، ثم إذا تمم النظر في معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكرًا مفصلًا ، فكان ذلك الشكر المجمل مقدمًا على الإيمان ، فلهذا قدمه عليه في الذكر .
ثم قال: { وَكَانَ الله شاكرا عَلِيمًا } لأنه تعالى لما أمرهم بالشكر سمى جزاء الشكر شكرًا على سبيل الاستعارة ، فالمراد من الشاكر في حقه تعالى كونه مثيبًا على الشكر ، والمراد من كونه عليمًا أنه عالم بجميع الجزئيات ، فلا يقع الغلط له ألبتة ، فلا جرم يوصل الثواب إلى الشاكر والعقاب إلى المعرض .