اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على كفر أولئك الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر فقال: { وَقيَضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قال صاحب «الصحاح» : يقال قايضت الرجل مقايضة أي عاوضته بمتاع ، وهما قيضان كما يقال بيعان ، وقيض الله فلانًا أي جاءه به وأتى به له ، ومنه قوله تعالى: { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء } .
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر ، فقالوا إنه تعالى ذكر أنه قيض لهم أولئك القرناء ، وكان عالمًا بأنه متى قيض لهم أولئك القرناء فإن يزينوا الباطل لهم ، وكل من فعل فعلًا وعلم أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر لا محالة ، فإن فاعل ذلك الفعل لا بد وأن يكون مريدًا لذلك الأثر فثبت أنه تعالى لما قيض لهم قرناء فقد أراد منهم ذلك الكفر ، أجاب الجبائي عنه بأن قال لو أراد المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين إذ الفاعل لما أراده منه غيره يجب أن يكون مطيعًا له ، وبأن قوله { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56 ] يدل على أنه لم يرد منهم إلا العبادة ، فثبت بهذا أنه تعالى لم يرد منهم المعاصي ، وأما هذه الآية فنقول: إنه تعالى لم يقل وقيضنا لهم قرناء ليزينوا لهم ، وإنما قال: { فَزَيَّنُواْ لَهُم } فهو تعالى قيض القرناء لهم بمعنى أنه تعالى أخرج كل أحد إلى آخر من جنسه ، فقيض أحد الزوجين للآخر والغني للفقير والفقير للغني ثم بيّن تعالى أن بعضهم يزين المعاصي للبعض .
واعلم أن وجه استدلال أصحابنا ما ذكرناه ، وهو أن من فعل فعلًا وعلم قطعًا أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر ، فاعل ذلك الفعل يكون مريدًا لذلك الأثر ، فههنا الله تعالى قيض أولئك القرناء لهم وعلم أنه متى قيض أولئك القرناء لهم فإنهم يقعون في ذلك الكفر والضلال ، وما ذكره الجبائي لا يدفع ذلك ، قوله ولو أراد الله منهم المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين لله ، قلنا لو كان من فعل ما أراده غيره مطيعًا له لوجب أن يكون الله مطيعًا لعباده إذا فعل ما أرادوه معلوم أنه باطل ، وأيضًا فهذا إلزام لفظي لأنه يقال إن أردت بالطاعة أنه فعل ما أراد فهذا إلزام للشيء على نفسه ، وأن أردت غيره فلا بد ، من بيانه حتى ينظر فيه أنه هل يصح أم لا .
المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله { فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } وذكر الزجاج فيه وجهين: الأول: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنّة ولا نار وما خلفهم من أمر الدنيا ، فزينوا أن الدنيا قديمة ، وأنه لا فاعل ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك الثاني: زينوا لهم أعمالهم التي يعملونها ويشاهدونها وما خلفهم وما يزعمون أنهم يعملونه ، وعبّر ابن زيد عنه ، فقال زينوا لهم ما مضى من أعمالهم الخبيثة وما بقي من أعمالهم الخسيسة .