القصة الخامسة قصة صالح عليه السلام
اعلم أن صالحًا عليه السلام خاطب قومه بأمور: أحدها: قوله: { أَتُتْرَكُونَ فِيمَا هاهنا ءامِنِينَ } أي أتظنون أنكم تتركون في دياركم آمنين وتطمعون في ذلك وأن لا دار للمجازاة .
وقوله: { فِيمَا هاهنا ءامِنِينَ } في الذي استقر في هذا المكان من النعيم ، ثم فسره بقوله: { فِى جنات وَعُيُونٍ } وهذا أيضًا إجمال ثم تفصيل ، فإن قيل: لم قال { وَنَخْلٍ } بعد قوله: { فِي جنات } والجنة تتناول النخل جوابه من وجهين: الأول: أنه خص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيهًا على فضله على سائر الأشجار والثاني: أن يراد بالجنات غيرها من الشجر ، لأن اللفظ يصلح لذلك ، ثم يعطف عليها النخل ، والطلع هو الذي يطلع من النخلة كنصل السيف في جوفه شماريخ ، والهضيم اللطيف أيضًا من قولهم: كشح هضيم ، وقيل الهضيم اللين النضيج كأنه قال: ونخل قد أرطب ثمره وثانيها: قوله تعالى: { وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتًا فارهين } قرأ الحسن { وَتَنْحِتُونَ } بفتح الحاء ، وقرىء { فارهين } و { فَرِهِينَ } والفراهة الكيس والنشاط ، فقوله: { فارهين } حال من الناحيتين .
واعلم أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن الغالب على قوم هود هو اللذات الحالية ، وهي طلب الاستعلاء والبقاء والتفرد والتجبر ، والغالب على قوم صالح هو اللذات الحسية ، وهي طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيبة الحصينة وثالثها: قوله تعالى: { وَلاَ تُطِيعُواْ أَمْرَ المسرفين } وهذا إشارة إلى أنه يجب الاكتفاء من الدنيا بقدر الكفاف ، ولا يجوز التوسع في طلبها والاستكثار من لذاتها وشهواتها ، فإن قيل ما فائدة قوله: { وَلاَ يُصْلِحُونَ } جوابه: فائدته بيان أن فسادهم فساد خالص ليس معه شيء من الصلاح ، كما يكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح ، ثم إن القوم أجابوه من وجهين: أحدهما: قولهم: { إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين } وفيه وجوه: أحدها: المسحر هو الذي سحر كثيرًا حتى غلب على عقله وثانيها: { مِنَ المسحرين } أي من له سحر ، وكل دابة تأكل فهي مسحرة ، والسحر أعلى البطن ، وعن الفراء المسحر من له جوف ، أراد أنك تأكل الطعام وتشرب الشراب وثالثها: عن المؤرج المسحر هو المخلوق بلغة بجيلة وثانيهما: قولهم: { مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا فَأْتِ بِئَايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } وهذا يحتمل أمرين: الأول: أنك بشر مثلنا فكيف تكون نبيًا؟ وهذا بمنزلة ما كانوا يذكرون في الأنبياء أنهم لو كانوا صادقين ، لكانوا من جنس الملائكة الثاني: أن يكون مرادهم إنك بشر مثلنا ، فلا بد لنا في إثبات نبوتك من الدليل ، فقال صالح عليه السلام: { هذه نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ } وقرىء بالضم ، روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد سقبًا ، فقعد صالح يتفكر ، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين وسل ربك الناقة ، ففعل فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم وحصل لها سقب مثلها في العظم ، ووصاهم صالح عليه السلام بأمرين: الأول: قوله: { لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } قال قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ، وشربهم في اليوم الذي لا تشرب هي والثاني: قوله: { وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } أي بضرب أو عقر أو غيرهما { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ } عظم اليوم لحلول العذاب فيه ، ووصف اليوم به أبلغ من وصف العذاب ، لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظم أشد ، ثم إن الله تعالى حكى عنهم أنهم عقروها . روي أن ( مصدعًا ) ألجأها إلى مضيق ( في شعب ) فرماها بسهم ( فأصاب رجلها ) فسقطت ، ثم ضربها قدار ، فإن قيل لم أخذهم العذاب وقد ندموا جوابه من وجهين: الأول: أنه لم يكن ندمهم ندم التائبين ، لكن ندم الخائفين من العذاب العاجل الثاني: أن الندم وإن كان ندم التائبين ، ولكن كان ذلك في غير وقت التوبة ، بل عند معاينة العذاب ، وقال تعالى: