فهرس الكتاب

الصفحة 3545 من 8321

اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنواع المفاسد الحاصلة من خروجهم وهي ثلاثة: الأول: قوله: { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الخبال والشر والفساد في كل شيء ، ومنه يسمى العته بالخبل ، والمعتوه بالمخبول ، وللمفسرين عبارات قال الكلبي: إلا شرًا ، وقال يمان: إلا مكرًا ، وقيل: إلا غيًا ، وقال الضحاك: إلا غدرًا ، وقيل: الخبال الاضطراب في الرأي ، وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لقوم أخرين ، ليختلفوا وتفترق كلمتهم .

المسألة الثانية: قال بعض النحويين قوله: { إِلاَّ خَبَالًا } من الاستثناء المنقطع وهو أن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، كقولك: ما زادوكم خيرًا إلا خبالًا ، وههنا المستثنى منه غير مذكور وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الأعم والعام هو الشيء ، فكان الاستثناء متصلًا ، والتقدير: ما زادوكم شيئًا إلا خبالًا .

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: إنه تعالى بين في الآية الأولى أنه كره انبعاثهم ، وبين في هذه الآية أنه إنما كره ذلك الانبعاث لكونه مشتملًا على هذا الخبال والشر والفتنة ، وذلك يدل على أنه تعالى يكره الشر والفتنة والفساد على الإطلاق ، ولا يرضى إلا بالخير ، ولا يريد إلا الطاعة .

النوع الثاني: من المفاسد الناشئة من خروجهم قوله تعالى: { ولأَوْضَعُواْ خلالكم يَبْغُونَكُمُ الفتنة } وفي الإيضاح قولان نقلهما الواحدي .

القول الأول: وهو قول أكثر أهل اللغة ، أن الإيضاع حمل البعير على العدو ، ولا يجوز أن يقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيرًا حثيثًا . يقال: وضع البعير إذا عدا وأوضعه الراكب إذا حمله عليه . قال الفراء: العرب تقول: وضعت الناقة ، وأوضع الراكب ، وربما قالوا للراكب وضع .

والقول الثاني: وهو قول الأخفش وأبي عبيد أنه يجوز أن يقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيرًا حثيثًا من غير أن يراد أنه وضع ناقته ، روى أبو عبيد أن النبي A أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر وقال لبيد:

أرانا موضعين لحكم غيب ... ونسخو بالطعام وبالشراب

أراد مسرعين ، ولا يجوز أن يكون يريد موضعين الإبل لأنه لم يرد السير في الطريق ، وقال عمر بن أبي ربيعة:

تبالهن بالعدوان لما عرفنني ... وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا

قال الواحدي: والآية تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد .

واعلم أن على القولين: فالمراد من الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنمائم ، فإن اعتبرنا القول الأول كان المعنى: ولأوضعوا ركائبهم بينكم ، والمراد الإسراع بالنمائم ، لأن الراكب أسرع من الماشي ، وإن اعتبرنا القول الثاني كان المراد أنهم يسرعون في هذا التضريب .

المسألة الرابعة: نقل صاحب «الكشاف» عن ابن الزبير أنه قرأ { ولأوقصوا } من وقصت الناقة وقصا إذا أسرعت وأوقصتها ، وقرىء ولأرفضوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت