فهرس الكتاب

الصفحة 7743 من 8321

وفي هذه الآية قولان:

الأول: أن المراد هو الصلاة قالوا: لأن التقييد بالبكرة والأصيل يدل على أن المراد من قوله: { واذكر اسم رَبّكَ } الصلوات . ثم قالوا: البكرة هي صلاة الصبح والأصيل صلاة الظهر والعصر { وَمِنَ اليل فاسجد لَهُ } المغرب والعشاء ، فتكون هذه الكلمات جامعة الصلوات الخمس وقوله: { وَسَبّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا } المراد منه التهجد ، ثم اختلفوا فيه فقال بعضهم: كان ذلك من الواجبات على الرسول عليه السلام ، ثم نسخ كما ذكرنا في سورة المزمل واحتجوا عليه بأن قوله: { فاسجد لَهُ وَسَبّحْهُ } أمر وهو للوجوب لا سيما إذا تكرر على سبيل المبالغة ، وقال آخرون: بل المراد التطوع وحكمه ثابت .

القول الثاني: أن المراد من قوله: { واذكر اسم رَبّكَ } إلى آخر الآية ليس هو الصلاة بل المراد التسبيح الذي هو القول والاعتقاد ، والمقصود أن يكون ذاكرًا لله في جميع الأوقات ليلًا ونهارًا بقلبه ولسانه ، وهو المراد من قوله: { ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } [ الأحزاب: 41 ] .

واعلم أن في الآية لطيفة أخرى وهي أنه تعالى قال: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القرءان تَنزِيلًا } [ الإنسان: 23 ] أي هديناك إلى هذه الأسرار ، وشرحنا صدرك بهذه الأنوار ، وإذ قد فعلنا بك ذلك فكن منقادًا مطيعًا لأمرنا ، وإياك وأن تكون منقادًا مطيعًا لغيرنا ، ثم لما أمره بطاعته ، ونهاه عن طاعة غيره قال: { واذكر اسم رَبّكَ } وهذا إشارة إلى أن العقول البشرية ليس عندها إلا معرفة الأسماء والصفات ، أما معرفة الحقيقة فلا ، فتارة يقال له: { واذكر اسم رَبّكَ } وهو إشارة إلى معرفة الأسماء ، وتارة يقال له: { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } [ الأعراف: 205 ] وهو إشارة إلى مقام الصفات ، وأما معرفة الحقيقة المخصوصة التي هي المستلزمة لسائر اللوازم السلبية والإضافية ، فلا سبيل لشيء من الممكنات والمحدثات ، إلى الوصول إليها والاطلاع عليها ، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره واحتجب عنها بكمال نوره .

واعلم أنه تعالى لما خاطب رسوله بالتعظيم والنهي والأمر عدل إلى شرح أحوال الكفار والمتمردين ، فقال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت