فهرس الكتاب

الصفحة 6827 من 8321

وهذه الآية فيها فوائد كثيرة ، ولنذكرها على وجه الاستقصاء ، فنقول أما تعلقها بما قبلها فلوجوه أحدها: أنه تعالى لما قال: { وَذَكَرَ } [ الذاريات: 55 ] يعني أقصى غاية التذكير وهو أن الخلق ليس إلا للعبادة ، فالمقصود من إيجاد الإنسان العبادة فذكرهم به وأعلمهم أن كل ما عداه تضييع للزمان الثاني: هو أنا ذكرنا مرارًا أن شغل الأنبياء منحصر في أمرين عبادة الله وهداية الخلق ، فلما قال تعالى: { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ } [ الذاريات: 54 ] بين أن الهداية قد تسقط عند اليأس وعدم المهتدي ، وأما العبادة فهي لازمة والخلق المطلق لها وليس الخلق المطلق للهداية ، فما أنت بملوم إذا أتيت بالعبادة التي هي أصل إذا تركت الهداية بعد بذل الجهد فيها الثالث: هو أنه لما بيّن حال من قبله من التكذيب ، ذكر هذه الآية ليبين سوء صنيعهم حيث تركوا عبادة الله فما كان خلقهم إلا للعبادة ، وأما التفسير ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الملائكة أيضًا من أصناف المكلفين ولم يذكرهم الله مع أن المنفعة الكبرى في إيجاده لهم هي العبادة ولهذا قال: { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } [ الأنبياء: 26 ] وقال تعالى: { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [ الأعراف: 206 ] فما الحكمة فيه؟ نقول: الجواب عنه من وجوه الأول: قد ذكرنا في بعض الوجوه أن تعلق الآية بما قبلها بيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له ، وهذا مختص بالجن والإنس لأن الكفر في الجن أكثر ، والكافر منهم أكثر من المؤمن لما بينا أن المقصود بيان قبحهم وسوء صنيعهم الثاني: هو أن النبي A كان مبعوثًا إلى الجن ، فلما قال وذكرهم ما يذكر به وهو كون الخلق للعبادة خص أمته بالذكر أي ذكر الجن والإنس الثالث: أن عباد الأصنام كانوا يقولون بأن الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون الله وخلقهم لعبادته ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة الله فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله ، فقال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلمًا بين القوم فذكر المتنازع فيه الرابع: قيل الجن يتناول الملائكة لأن الجن أصله من الاستتار وهم مستترون عن الخلق ، وعلى هذا فتقديم الجن لدخول الملائكة فيهم وكونهم أكثر عبادة وأخصلها الخامس: قال بعض الناس كلما ذكر الله الخلق كان فيه التقدير في الجرم والزمان قال تعالى: { خُلِقَ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } [ الفرقان: 59 ] وقال تعالى: { خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ } [ فصلت: 9 ] وقال: { خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } [ ص: 75 ] إلى غير ذلك ، وما لم يكن ذكره بلفظ الأمر قال تعالى: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ ياس: 82 ] وقال: { قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى } [ الإسراء: 85 ] وقال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت