فهرس الكتاب

الصفحة 2761 من 8321

فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية الأولى إنكارهم للحشر والنشر والبعث والقيامة بيّن في هذه الآية كيفية حالهم في القيامة ، فقال { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ } واعلم أن جماعة من المشبهة تمسكوا بهذه الآية ، وقالوا ظاهر هذه الآية يدل على أن أهل القيامة يقفون عند الله وبالقرب منه ، وذلك يدل على كونه تعالى بحيث يحضر في مكان تارة ويغيب عنه تارة أخرى .

واعلم أن هذا خطأ وذلك لأن ظاهر الآية ، يدل على كونهم واقفين على الله تعالى ، كما يقف أحدنا على الأرض ، وذلك يدل على كونه مستعليًا على ذات الله تعالى وأنه بالاتفاق باطل ، فوجب المصير إلى التأويل وهو من وجوه:

التأويل الأول: هو أن يكون المراد { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى } ما وعدهم ربهم من عذاب الكافرين وثواب المؤمنين وعلى ما أخبرهم به من أمر الآخر .

التأويل الثاني: أن المراد من هذا الوقوف المعرفة ، كما يقول الرجل لغيره وقفت على كلامك أي عرفته .

التأويل الثالث: أن يكون المراد أنهم وقفوا لأجل السؤال فخرج الكلام مخرج ما جرت به العادة ، من وقوف العبد بين يدي سيده والمقصود منه التعبير عن المقصود بالألفاظ الفصيحة البليغة .

المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية أنه تعالى حكى عنهم في الآية الأولى ، أنهم ينكرون القيامة والبعث في الدنيا ، ثم بيّن أنهم في الآخرة يقرون به فيكون المعنى أن حالهم في هذا الإنكار سيؤل إلى الإقرار وذلك لأنهم شاهدوا القيامة والثواب والعقاب ، قال الله تعالى: { أَلَيْسَ هذا بالحق } .

فإن قيل: هذا الكلام يدل على أنه تعالى يقول لهم أليس هذا بالحق؟ وهو كالمناقض لقوله تعالى: { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله } [ البقرة: 174 ] والجواب أن يحمل قوله { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } أي لا يكلمهم بالكلام الطيب النافع ، وعلى هذا التقدير يزول التناقض ثم إنه تعالى بيّن أنه إذا قال لهم أليس هذا بالحق؟ قالوا بلى وربنا المقصود أنهم يعترفون بكونه حقًا مع القسم واليمين . ثم إنه تعالى يقول لهم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وخص لفظ الذوق لأنهم في كل حال يجدونه وجدان الذائق في قوة الاحساس وقوله { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } أي بسبب كفركم . واعلم أنه تعالى ما ذكر هذا الكلام احتجاجًا على صحة القول بالحشر والنشر لأن ذلك الدليل قد تقدم ذكره في أول السورة في قوله { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا } [ الأنعام: 2 ] على ما قررناه وفسرناه ، بل المقصود من هذه الآية الردع والزجر عن هذا المذهب والقول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت