قوله تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تتناجوا بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وتناجوا بالبر والتقوى } .
اعلم أن المخاطبين بقوله: { يا أيها الذين آمنوا } قولين ، وذلك لأنا إن حملنا قوله فيما تقدم: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى } [ المجادلة: 8 ] على اليهود حملنا في هذه الآية قوله: { يا أيها الذين آمنوا } على المنافقين ، أي يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ، وإن حملنا ذلك على جميع الكفار من اليهود والمنافقين ، حملنا هذا على المؤمنين ، وذلك لأنه تعالى لما ذم اليهود والمنافقين على التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ، أتبعه بأن نهى أصحابه المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقتهم ، فقال: { فَلاَ تتناجوا بالإثم } وهو ما يقبح مما يخصهم { والعدوان } وهو يؤدي إلى ظلم الغير { ومعصية الرسول } وهو ما يكون خلافًا عليه ، وأمرهم أن يتناجوا بالبر الذي يضاد العدوان وبالتقوى وهو ما يتقي به من النار من فعل الطاعات وترك المعاصي ، واعلم أن القوم متى تناجوا بما هذه صفته قلت: مناجاتهم ، لأن ما يدعو إلى مثل هذا الكلام يدعو إظهاره ، وذلك يقرب من قوله: { لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } [ النساء: 114 ] وأيضًا فمتى عرفت طريقة الرجل في هذه المناجاة لم يتأذ من مناجاته أحد .
ثم قال تعالى: { واتقوا الله الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي إلى حيث يحاسب ويجازي وإلا فالمكان لا يجوز على الله تعالى .