وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قال الليث: الإدهان اللين والمصانعة والمقاربة في الكلام ، قال المبرد: داهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر ، والمعنى تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض مالا ترضى فتلين لهم ويلينون لك ، وروى عطاء عن ابن عباس: لو تكفر فيكفرون .
المسألة الثانية: إنما رفع { فَيُدْهِنُونَ } ولم ينصب بإضمار أن وهو جواب التمني لأنه قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف أي فهم يدهنون كقوله: { فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ } [ الجن: 13 ] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ ، قال سيبويه: وزعم هارون وكان من القراء أنها في بعض المصاحف: ( ودوا لو تدهن فيدهنوا ) . واعلم أنه تعالى لما نهاه عن طاعة المكذبين ، وهذا يتناول النهي عن طاعة جميع الكفار إلا أنه أعاد النهي عن طاعة من كان من الكفار موصوفًا بصفات مذمومة وراء الكفر ، وتلك الصفات هي هذه:
الصفة الأولى: كونه حلافًا ، والحلاف من كان كثير الحلف في الحق والباطل ، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف ومثله قوله: { وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم } [ البقرة: 224 ] .
الصفة الثانية: كونه مهينًا ، قال الزجاج: هو فعيل من المهانة ، ثم فيه وجهان أحدهما: أن المهانة هي القلة والحقارة في الرأي والتمييز والثاني: أنه إنما كان مهينًا لأن المراد الحلاف في الكذب ، والكذاب حقير عند الناس . وأقول: كونه حلافًا يدل على أنه لا يعرف عظمة الله تعالى وجلاله ، إذ لو عرف ذلك لما أقدم في كل حين وأوان بسبب كل باطل على الاستشهاد باسمه وصفته ومن لم يكن عالمًا بعظمة الله وكان متعلق القلب بطلب الدنيا كان مهينًا ، فهذا يدل على أن عزة النفس لا تحصل إلا لمن عرف نفسه بالعبودية ، وأن مهانتها لا تحصل إلا لمن غفل عن سر العبودية .
الصفة الثالثة: كونه همازًا وهو العياب الطعان ، قال المبرد: هو الذي يهمز الناس أي يذكرهم بالمكروه وأثر ذلك يظهر العيب ، وعن الحسن يلوي شدقيه في أقفية الناس وقد استقصينا ( القول ) فيه في قوله: { وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ } [ الهمزة: 1 ] .
الصفة الرابعة: كونه مشاء بنميم أي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم ، يقال: نم ينم وينم نمًا ونميمًا ونميمة .
الصفة الخامسة: كونه مناعًا للخير وفيه قولان: أحدهما: أن المراد أنه بخيل والخير المال والثاني: كان يمنع أهله من الخير وهو الإسلام ، وهذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ، وكان له عشرة من البنين وكان يقول لهم وما قاربهم لئن تبع دين محمد منكم أحد لا أنفعه بشيء أبدًا فمنعهم الإسلام فهو الخير الذي منعهم ، وعن ابن عباس أنه أبو جهل وعن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث ، وعن السدي: الأخنس بن شريق .