فهرس الكتاب

الصفحة 7684 من 8321

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر من علامات القيامة في هذا الموضع أمورًا ثلاثة أولها: قوله: { فَإِذَا بَرِقَ البصر } قرىء بكسر الراء وفتحها ، قال الأخفش: المكسورة في كلامهم أكثر والمفتوحة لغة أيضًا ، قال الزجاج: برق بصره بكسر الراء يبرق برقًا إذا تحير ، والأصل فيه أن يكثر الإنسان من النظر إلى لمعان البرق ، فيؤثر ذلك في ناظره ، ثم يستعمل ذلك في كل حيرة ، وإن لم يكن هناك نظر إلى البرق ، كما قالوا: قمر بصره إذا فسد من النظر إلى القمر ، ثم استعير في الحيرة ، وكذلك بعل الرجل في أمره ، أي تحير ودهش ، وأصله من قولهم: بعلت المرأة إذا فاجأها زوجها ، فنظرت إليه وتحيرت ، وأما برق بفتح الراء ، فهو من البريق ، أي لمع من شدة شخوصه ، وقرأ أبو السمال بلق بمعنى انفتح ، وانفتح يقال: بلق الباب وأبلقته وبلقته فتحته .

المسألة الثانية: اختلفوا في أن هذه الحالة متى تحصل؟ فقيل: عند الموت ، وقيل: عند البعث وقيل: عند رؤية جهنم ، فمن قال: إن هذا يكون عند الموت ، قال: إن البصر يبرق على معنى يشخص عند معاينة أسباب الموت ، والملائكة كما يوجد ذلك في كل واحد إذا قرب موته ، ومن مال إلى هذا التأويل ، قال: إنهم إنما سألوه عن يوم القيامة ، لكنه تعالى ذكر هذه الحادثة عند الموت والسبب فيه من وجهين: الأول: أن المنكر لما قال: { أَيَّانَ يَوْمُ القيامة } [ القيامة: 6 ] على سبيل الاستهزاء فقيل له: إذا برق البصر وقرب الموت زالت عنه الشكوك ، وتيقن حينئذ أن الذي كان عليه من إنكار البعث والقيامة خطأ الثاني: أنه إذا قرب موته وبرق بصره تيقن أن إنكار البعث لأجل طلب اللذات الدنيوية كان باطلًا ، وأما من قال بأن ذلك إنما يكون عند قيام القيامة ، قال: لأن السؤال إنما كان عن يوم القيامة ، فوجب أن يقع الجواب بما يكون من خواصه وآثاره ، قال تعالى: { إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار } [ إبراهيم: 41 ] ، وثانيها: قوله: { وَخَسَفَ القمر } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: يحتمل أن يكون المراد من خسوف القمر ذهاب ضوئه كما نعقله من حاله إذا خسف في الدنيا ، ويحتمل أن يكون المراد ذهابه بنفسه كقوله: { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض } [ القصص: 81 ] .

المسألة الثانية: قرىء: { وَخَسَفَ القمر } على البناء للمفعول وثالثها: قوله: { وَجُمِعَ الشمس والقمر } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في كيفية الجمع وجوهًا أحدها: أنه تعالى قال: { لاَ الشمس يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ القمر } [ يس: 40 ] فإذا جاء وقت القيامة أدرك كل واحد منهما صاحبه واجتمعا وثانيها: جمعا في ذهاب الضوء ، فهو كما يقال: الشافعي يجمع ما بين كذا وكذا في حكم كذا وثالثها: يجمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران في النار ، وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر ، فهناك نار الله الكبرى واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها في قوله ، وخسف القمر ، وجمع الشمس والقمر إنما تستقيم على مذهب من يجعل برق البصر من علامات القيامة ، فأما من يجعل برق البصر من علامات الموت قال معنى: { وَخَسَفَ القمر } أي ذهب ضوء البصر عند الموت ، يقال عين خاسفة ، إذا فقئت حتى غابت حدقتها في الرأس ، وأصلها من خسفت الأرض إذا ساخت بما عليها ، وقوله: { وَجُمِعَ الشمس والقمر } كناية عن ذهاب الروح إلى عالم الآخرة ، كأن الآخرة كالشمس ، فإنه يظهر فيها المغيبات وتتضح فيها المبهمات ، والروح كالقمر فإنه كما أن القمر يقبل النور من الشمس ، فكذا الروح تقبل نور المعارف من عالم الآخرة ، ولا شك أن تفسير هذه الآيات بعلامات القيامة أولى من تفسيرها بعلامات الموت وأشد مطابقة لها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت