اعلم أنه تعالى لما بين أن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن كفرهم حصل لهم الغفران ، وإن عادوا فهم متوعدون بسنة الأولين ، أتبعه بأن أمر بقتالهم إذا أصروا فقال: { وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } قال عروة بن الزبير: كان المؤمنون في مبدأ الدعوة يفتنون عن دين الله ، فافتتن من المسلمين بعضهم وأمر رسول الله A المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة ، وفتنة ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول الله A بيعة العقبة ، توامرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم ، فأصاب المؤمنين جهد شديد ، فهذا هو المراد من الفتنة ، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة . وفيه وجه آخر ، وهو أن مبالغة الناس في حبهم أديانهم أشد من مبالغتهم في حبهم أرواحهم ، فالكافر أبدًا يسعى بأعظم وجوه السعي في إيذاء المؤمنين وفي إلقاء الشبهات في قلوبهم وفي إلقائهم في وجوه المحنة والمشقة ، وإذا وقعت المقاتلة زال الكفر والمشقة ، وخلص الإسلام وزالت تلك الفتن بالكلية . قال القاضي: إنه تعالى أمر بقتالهم ثم بين العلة التي بها أوجب قتالهم ، فقال: { حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } ويخلص الدين الذي هو دين الله من سائر الأديان ، وإنما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكلية . إذا عرفت هذا فنقول: إما أن يكون المراد من الآية { وقاتلوهم } لأجل أن يحصل هذا المعنى أو يكون المراد { وقاتلوهم } لغرض أن يحصل هذا المعنى فإن كان المراد من الآية هو الأول وجب أن يحصل هذا المعنى من القتال فوجب أن يكون المراد { وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ } في أرض مكة وما حواليها ، لأن المقصود حصل هنا ، قال عليه السلام: « لا يجتمع دينان في جزيرة العرب » ولا يمكن حمله على جميع البلاد ، إذ لوكان ذلك مرادًا لما بقي الكفر فيها مع حصول القتال الذي أمر الله به ، وأما إذا كان المراد من الآية هو الثاني ، وهو قوله: قاتلوهم لغرض أن يكون الدين كله لله ، فعلى هذا التقدير لم يمتنع حمله على إزالة الكفر عن جميع العالم لأنه ليس كل ما كان غرضًا للإنسان ، فإنه يحصل ، فكان المراد الأمر بالقتال لحصول هذا الغرض سواء حصل في نفس الأمر أو لم يحصل .
ثم قال: { فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } والمعنى { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الكفر وسائر المعاصي بالتوبة والإيمان { فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } عالم لا يخفى عليه شيء يوصل إليهم ثوابهم { وَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني عن التوبة والإيمان { فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ } أي وليكم الذي يحفظكم ويرفع البلاء عنكم ، ثم بين أنه تعالى { نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } وكل ما كان في حماية هذا المولى وفي حفظه وكفايته ، كان آمنًا من الآفات مصونًا عن المخوفات .