فهرس الكتاب

الصفحة 2232 من 8321

اعلم أنه تعالى حكى عن اليهود نوعا آخر من المكر ، وهو أنهم كانوا يفضلون عبدة الأصنام على المؤمنين ، ولا شك أنهم كانوا عالمين بأن ذلك باطل ، فكان إقدامهم على هذا القول لمحض العناد والتعصب ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا الى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشا على محاربة الرسول A ، فقالوا: أنتم أهل كتاب ، وأنتم أقرب الى محمد منكم الينا فلا نأمن مكركم ، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا ، ففعلوا ذلك . فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت ، لأنهم سجدوا للأصنام ، فقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟ فقال كعب: ماذا يقول محمد؟ يأمر بعبادة الله وحده وينهي عن عبادة الأصنام وترك دين آبائه ، وأوقع الفرقة . قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني وذكروا أفعالهم ، فقال: أنتم أهدى سبيلا . فهذا هو المراد من قولهم: { لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أهدى مِنَ الذين ءامَنُواْ سَبِيلًا } [ النساء: 51 ] .

المسألة الثانية: اختلف الناس في الجبت والطاغوت ، وذكروا فيه وجوه: الأول: قال أهل اللغة: كل معبود دون الله فهو جبت وطاغوت ، ثم زعم الأكثرون أن الجبت ليس له تصرف في اللغة . وحكى القفال عن بعضهم أن الجبت أصله جبس ، فأبدلت السين تاء ، والجبس هو الخبيث الردىء ، وأما الطاغوت فهو مأخوذ من الطغيان ، وهو الاسراف في المعصية ، فكل من دعا إلى المعاصي الكبار لزمه هذا الاسم ، ثم توسعوا في هذا الاسم حتى أوقعوه على الجماد ، كما قال تعالى: { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس } [ إبراهيم: 35 ، 36 ] فأضاف الاضلال إلى الأصنام مع أنها جمادات . الثاني: قال صاحب «الكشاف» : الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله ، والطاغوت الشيطان . الثالث: الجبت الأصنام ، والطاغوت تراجمة الأصنام يترجمون للناس عنها الأكاذيب فيضلونهم بها ، وهو منقول عن ابن عباس . الرابع: روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الجبت الكاهن ، والطاغوت الساحر . الخامس: قال الكلبي: الجبت في هذه الآية حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف ، وكانت اليهود يرجعون اليهما ، فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم . السادس: الجبت والطاغوت صنمان لقريش ، وهما الصنمان اللذان سجد اليهود لهما طلبا لمرضاة قريش ، وبالجملة فالأقاويل كثيرة ، وهما كلمتان وضعتا علمين على من كان غاية في الشر والفساد .

ثم قال تعالى: { أُوْلَئِكَ الذين لَعَنَهُمُ الله وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا } فبين أن عليهم اللعن من الله وهو الخذلان والابعاد ، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى؛ وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له ، كما قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت