فهرس الكتاب

الصفحة 6688 من 8321

لأن الظن هو السبب فيما تقدم وعليه تبنى القبائح ، ومنه يظهر العدو المكاشح والقائل إذا أوقف أموره على اليقين فقلما يتيقن في أحد عيبًا فيلمزه به ، فإن الفعل في الصورة قد يكون قبيحًا وفي نفس الأمر لا يكون كذلك ، لجواز أن يكون فاعله ساهيًا أو يكون الرائي مخطئًا ، وقوله { كَثِيرًا } إخراج للظنون التي عليها تبنى الخيرات قال النبي A: « ظنوا بالمؤمن خيرًا » وبالجملة كل أمر لا يكون بناؤه على اليقين ، فالظن فيه غير مجتنب مثاله حكم الحاكم على قول الشهود وبراءة الذمة عند عدم الشهود إلى غير ذلك فقوله { اجتنبوا كَثِيرًا } وقوله تعالى: { إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ } إشارة إلى الأخذ بالأحوط كما أن الطريق المخوفة لا يتفق كل مرة فيه قاطع طريق ، لكنك لا تسلك لاتفاق ذلك فيه مرة ومرتين ، إلا إذا تعين فتسلكه مع رفقة كذلك الظن ينبغي بعد اجتهاد تام ووثوق بالغ .

ثم قال تعالى: { وَلاَ تَجَسَّسُواْ } إتمامًا لما سبق لأنه تعالى لما قال: { اجتنبوا كَثِيرًا مّنَ الظن } فهم منه أن المعتبر اليقين فيقول القائل أنا أكشف فلانًا يعني أعلمه يقينًا وأطلع على عيبه مشاهدة فأعيب فأكون قد اجتنبت الظن فقال تعالى: ولا تتبعوا الظن ، ولا تجتهدوا في طلب اليقين في معايب الناس .

ثم قال تعالى: { وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا } إشارة إلى وجوب حفظ عرض المؤمن في غيبته وفيه معان أحدها: في قوله تعالى: { بَّعْضُكُم بَعْضًا } فإنه للعموم في الحقيقة كقوله { لا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات: 11 ] وأما من اغتاب فالمغتاب أولًا يعلم عيبه فلا يحمل فعله على أن يغتابه فلم يقل ولا تغتابوا أنفسكم لما أن الغيبة ليست حاملة للعائب على عيبه من اغتابه ، والعيب حامل على العيب ثانيها: لو قال قائل هذا المعنى كان حاصلًا بقوله تعالى: لا تغتابوا ، مع الاقتصار عليه نقول لا ، وذلك لأن الممنوع اغتياب المؤمن فقال: { بَّعْضُكُم بَعْضًا } وأما الكافر فيعلن ويذكر بما فيه وكيف لا والفاسق يجوز أن يذكر بما فيه عند الحاجة ثالثها: قوله تعالى: { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا } دليل على أن الاغتياب الممنوع اغتياب المؤمن لا ذكر الكافر ، وذلك لأنه شبهه بأكل لحم الأخ ، وقال من قبل { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } [ الحجرات: 10 ] فلا أخوة إلا بين المؤمنين ، ولا منع إلا من شيء يشبه أكل لحم الأخ ففي هذه الآية نهى عن اغتياب المؤمن دون الكافر رابعها: ما الحكمة في هذا التشبيه؟ نقول هو إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه ، وهذا من باب القياس الظاهر ، وذلك لأن عرض المرء أشرف من لحمه ، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأن ذلك آلم ، وقوله { لَحْمَ أَخِيهِ } آكد في المنع لأن العدو يحمله الغضب على مضغ لحم العدو ، فقال أصدق الأصدقاء من ولدته أمك ، فأكل لحمه أقبح ما يكون ، وقوله تعالى: { مَيْتًا } إشارة إلى دفع وهم ، وهو أن يقال القول في الوجه يؤلم فيحرم ، وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلم ، فقال أكل لحم الأخ وهو ميت أيضًا لا يؤلم ، ومع هذا هو في غاية القبح لما أنه لو اطلع عليه لتألم ، كما أن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه ، وفيه معنى: وهو أن الاغتياب كأكل لحم الآدمي ميتًا ، ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة ، والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي الميت فلا يأكل لحم الآدمي ، فكذلك المغتاب أن وجد لحاجته مدفعًا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب ، وقوله تعالى: { مَيْتًا } حال عن اللحم أو عن الأخ ، فإن قيل اللحم لا يكون ميتًا ، قلنا بلى قال النبي A:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت