سمعوا صيحة فماتوا وفيه مسائل:
المسألة الأولى: كان في قوله: { فَكَانُواْ } من أي الأقسام؟ نقول: قال النحاة تجيء تارة بمعنى صار وتمسكوا بقول القائل:
بتيماء قفر والمطي كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها
بمعنى صارت فقال بعض المفسرين: في هذا موضع إنها بمعنى صار ، والتحقيق أن كان لا تخالف غيرها من الأفعال الماضية اللازمة التي لا تتعدى والذي يقال إن كان تامة وناقصة وزائدة وبمعنى صار فليس ذلك يوجب اختلاف أحوالها اختلافًا يفارق غيرها من الأفعال وذلك لأن كان بمعنى وجد أو حصل أو تحقق غير أن الذي وجد تارة يكون حقيقة الشيء وأخرى صفة من صفاته فإذا قلت: كانت الكائنة وكن فيكون جعلت الوجود والحصول للشيء في نفسه فكأنك قلت: وجدت الحقيقة الكائنة وكن أي احصل فيوجد في نفسه وإذا قلت: كان زيد عالمًا أي وجد علم زيد ، غير أنا نقول في وجد زيد عالمًا إن عالمًا حال ، وفي كان زيد عالمًا نقول: إنه خبر كقولنا حصل زيد عالمًا غير أن قولنا وجد زيد عالمًا ربما يفهم منه أن الوجود والحصول لزيد في تلك الحال كما تقول قام زيد منتحيًا حيث يكون القيامة لزيد في تلك الحال ، وقولنا: كان زيد عالمًا ليس معناه كان زيد وفي تلك الحال هو عالم لكن هذا لا يوجب أن كان على خلاف غيره من الأفعال اللازمة التي لها بالحال تعلق شديد ، لأن من يفهم من قولنا حصل زيد اليوم على أحسن حال ما نفهمه من قولنا خرج زيد اليوم في أحسن زي لا يمنعه مانع من أن يفهم من قولنا: كان زيد على أحسن حال مثل ما فهم هناك ، إذا عرفت هذا فنقول: الفعل الماضي يطلق تارة على ما يوجد في الزمان المتصل بالحاضر ، كقولنا: قام زيد في صباه ، ويطلق تارة على ما يوجد في الزمان الحاضر كقولنا قام زيد فقم وقم فإن زيدًا قام ، وكذلك القول في كان ربما يقال كان زيد قائمًا عام كذا وربما يقال كان زيد قائمًا الآن كما في قام زيد فقوله تعالى: { فَكَانُواْ } فيه استعمال الماضي فيما اتصل بالحال فهو كقولك أرسل عليهم صيحة فماتوا أي متصلًا بتلك الحال ، نعم لو استعمل في هذا الموضع صار يجوز لكن كان وصار كل واحد بمعنى في نفسه وليس وإنما يلزم حمل كان على صار إذا لم يمكن أن يقال هو كذا كما في البيت حيث لا يمكن أن يقال: البيوض فراخ ، وأما هنا يمكن أن يقال هم كهشيم ولولا الكاف لأمكن أن يقال: يجب حمل كان على صار إذا كان المراد أنهم انقلبوا هشيمًا كما يقلب الممسوخ وليس المراد ذلك .