فهرس الكتاب

الصفحة 1923 من 8321

في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما وعد نصر المؤمنين على الكافرين ، وهذا النصر لا بد وأن يكون مسبوقا بازالة الخوف عن المؤمنين ، بين في هذه الآية أنه تعالى أزال الخوف عنهم ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى ينجز وعده في نصر المؤمنين . الثاني: أنه تعالى بين أنه نصر المؤمنين أولا ، فلما عصى بعضهم سلط الخوف عليهم ، ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلب من كان صادقا في إيمانه مستقرا على دينه بحيث غلب النعاس عليه .

واعلم أن الذين كانوا مع الرسول A يوم أحد فريقان: أحدهما: الذين كانوا جازمين بأن محمدًا E نبي حق من عند الله وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وكانوا قد سمعوا من النبي A أن الله تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان ، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال ، فلا جرم كانوا آمنين ، وبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس ، فان النوم لا يجيء مع الخوف ، فمجيء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية ، فقال ههنا في قصة أحد في هؤلاء { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاسًا } وقال في قصة بدر { إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مّنْهُ } [ الأنفال: 11 ] ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس ، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة ، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته E ، وما حضروا إلا لطلب الغنيمة ، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم ، ثم إنه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين ، فقال في صفة المؤمنين: { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاسًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: «الأمنة» مصدر كالأمن ، ومثله من المصادر: العظمة والغلبة ، وقال الجبائي: يقال: أمن فلان يأمن أمنًا وأمانًا .

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قرىء ( أمنة ) بسكون الميم ، لأنها المرة من الأمن .

المسألة الثالثة: في قوله تعالى: { نُّعَاسًا } وجهان: أحدهما: أن يكون بدلا من أمنة ، والثاني: إن يكون مفعولا ، وعلى هذا التقدير ففي قوله: { أمنة } وجوه: أحدها: أن تكون حالا منه مقدمة عليه ، كقولك: رأيت راكبًا رجلا ، وثانيها: أن يكون مفعولا له بمعنى نعستم أمنة ، وثالثها: أن يكون حالا من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة .

ثم قال تعالى: { يغشى طَائِفَةً مّنْكُمْ } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: قد ذكرنا أن هذه الطائفة هم المؤمنون الذين كانوا على البصيرة في إيمانهم قال أبو طلحة ، غشينا النعاس ونحن في مصافنا ، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه . ثم يسقط فيأخذه ، وعن الزبير قال: كنت مع النبي A حين اشتد الخوف ، فأرسل الله علينا النوم ، وإني لأسمع قول معتب بن قشير: والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا . وقال عبد الرحمن بن عوف: ألقى النوم علينا يوم أحد ، وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة ، والنعاس في الصلاة من الشيطان ، وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا ، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت