واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد: أحدها: أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد ، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي A ، ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيمانًا مع إيمانهم ، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو ووثوقهم بأن الله منجز وعده ، وثانيها: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال ، والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة ، وثالثها: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم ، فيشتد الخوف والجبن في قلوبهم ، ورابعها: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم ، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم ، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى ، ومن الناس من قال: ذكر النعاس في هذا الموضع كناية عن غاية الامن ، وهذا ضعيف لأن صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا عند قيام الدليل المعارض ، فكيف يجوز ترك حقيقة اللفظ مع اشتمالها على هذه الفوائد والحكم .
المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي { تغشى } بالتاء ردًا إلى الأمنة ، والباقون بالياء ردًا ، إلى النعاس ، وهو اختيار أبي حاتم وخلف وأبي عبيد .
واعلم أن الأمنة والنعاس كل واحد منهما يدل على الآخر ، فلا جرم يحسن رد الكناية إلى أيهما شئت ، كقوله تعالى: { إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الأثيم * كالمهل يَغْلِى فِى البطون } [ الدخان: 43 45 ] وتغلي ، إذا عرفت جوازهما فنقول: مما يقوي القراءة بالتاء أن الأصل الأمنة ، والنعاس بدل ، ورد الكناية إلى الأصل أحسن ، وأيضًا الأمنة هي المقصود ، وإذا حصلت الأمنة حصل النعاس لأنها سببه ، فان الخائف لا يكاد ينعس ، وأما من قرأ بالياء فحجته أن النعاس هو الغاشي ، فان العرب يقولون غشينا النعاس ، وقلما يقولون غشيني من النعاس أمنة ، وأيضًا فان النعاس مذكور بالغشيان في قوله: { إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مّنْهُ } [ الأنفال: 11 ] وأيضًا: النعاس يلي الفعل ، وهو أقرب في اللفظ إلى ذكر الغشيان من الأمنة فالتذكير أولى .
ثم قال تعالى: { وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } وفيه مسألتان .
المسألة الأولى: هؤلاء هم المنافقون عبدالله بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما ، كان همهم خلاص أنفسهم ، يقال: همني الشيء أي كان من همي وقصدي ، قال أبو مسلم: من عادة العرب أن يقولوا لمن خاف ، قد أهمته نفسه ، فهؤلاء المنافقون لشدة خوفهم من القتل طار النوم عنهم ، وقيل المؤمنون ، كان همهم النبي A وإخوانهم من المؤمنين ، والمنافقون كان همهم أنفسهم وتحقيق القول فيه: أن الانسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه ، صار غافلا عما سواه ، فلما كان أحب الأشياء إلى الانسان نفسه ، فعند الخوف على النفس يصير ذاهلا عن كل ما سواها ، فهذا هو المراد من قوله: { أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } وذلك لأن أسباب الخوف وهي قصد الأعداء كانت حاصلة والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد الله ووعد رسوله ما كان معتبرًا عندهم ، لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم ، فلا جرم عظم الخوف في قلوبهم .