فهرس الكتاب

الصفحة 3960 من 8321

اعلم أنه عليه السلام لما بالغ في التقرير والبيان ، أجابوه بكلمات فاسدة . فالأول: قولهم: { ياشعيب مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول: أنه عليه السلام كان يخاطبهم بلسانهم ، فلم قالوا: { مَا نَفْقَهُ } والعلماء ذكروا عنه أنواعًا من الجوابات: فالأول: أن المراد: ما نفهم كثيرًا مما تقول ، لأنهم كانوا لا يلقون إليه أفهامهم لشدة نفرتهم عن كلامه وهو كقوله: { وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ } [ الأنعام: 25 ] الثاني: أنهم فهموه بقلوبهم ولكنهم ما أقاموا له وزنًا ، فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذ لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول . الثالث: أن هذه الدلائل التي ذكرها ما أقنعتهم في صحة التوحيد والنبوة والبعث ، وما يجب من ترك الظلم والسرقة ، فقولهم: { مَا نَفْقَهُ } أي لم نعرف صحة الدلائل التي ذكرتها على صحة هذه المطالب .

المسألة الثانية: من الناس من قال: الفقه اسم لعلم مخصوص ، وهو معرفة غرض المتكلم من كلامه واحتجوا بهذه الآية وهي قوله: { مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ } فأضاف الفقه إلى القول ثم صار اسمًا لنوع معين من علوم الدين ، ومنهم من قال: إنه اسم لمطلق الفهم . يقال: أوتي فلان فقهًا في الدين ، أي فهمًا . وقال النبي A: « من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين » أي يفهمه تأويله .

والنوع الثاني: من الأشياء التي ذكروها قولهم: { وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } وفيه وجهان: الأول: أنه الضعيف الذي يتعذر عليه منع القوم عن نفسه ، والثاني: أن الضعيف هو الأعمى بلغة حمير . واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه: الأول: أنه ترك للظاهر من غير دليل ، والثاني: أن قوله: { فِينَا } يبطل هذا الوجه؛ ألا ترى أنه لو قال: إنا لنراك أعمى فينا كان فاسدًا ، لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم ، الثالث: أنهم قالوا بعد ذلك { وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك } فنفوا عنه القوة التي أثبتوها في رهطه ، ولما كان المراد بالقوة التي أثبتوها للرهط هي النصرة ، وجب أن تكون القوة التي نفوها عنه هي النصرة ، والذين حملوا اللفظ على ضعف البصر لعلهم إنما حملوه عليه ، لأنه سبب للضعف .

واعلم أن أصحابنا يحوزون العمى على الأنبياء ، إلا أن هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا المعنى لما بيناه . وأما المعتزلة فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال: إنه لا يجوز لكونه متعبدًا فإنه لا يمكنه الاحتراز عن النجاسات ، ولأنه ينحل بجواز كونه حاكمًا وشاهدًا ، فلأن يمنع من النبوة كان أولى ، والكلام فيه لا يليق بهذه الآية ، لأنا بينا أن الآية لا دلالة فيها على هذا المعنى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت