فهرس الكتاب

الصفحة 6332 من 8321

واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال: { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ غافر: 33 ] ذكر لهذا مثلًا ، وهو أن يوسف لما جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على الشك والشبهة ، ولم ينتفعوا بتلك الدلائل ، وهذا يدل على أن من أضله الله فما له من هاد وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قيل إن يوسف هذا هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، ونقل صاحب «الكشاف» أنه يوسف بن أفراييم بن يوسف ابن يعقوب أقام فيهم نيفًا وعشرين سنة ، وقيل إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بقي حيًا إلى زمانه وقيل فرعون آخر ، والمقصود من الكل شيء واحد وهو أن يوسف جاء قومه بالبينات ، وفي المراد بها قولان الأول: أن المراد بالبينات قوله { أأرباب مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار } [ يوسف: 39 ] ، والثاني: المراد بها المعجزات ، وهذا أولى ، ثم إنهم بقوا في نبوته شاكين مرتابين ، ولم ينتفعوا ألبتة بتلك البينات ، فلما مات قالوا إنه { لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولًا } وإنما حكموا بهذا الحكم على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان ، بل إنما ذكروا ذلك ليكون ذلك أساسًا لهم في تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعد ذلك وليس في قولهم { لن يبعث الله من بعد رسولًا } لأجل تصديق رسالة يوسف وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها وإنما هو تكذيب لرسالة من هو بعده مضمومًا إلى تكذيب رسالته ، ثم قال: { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } أي مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه ، قال الكعبي هذه الآية حجة لأهل القدر لأنه تعالى بين كفرهم ، ثم بين أنه تعالى إنما أضلهم لكونهم مسرفين مرتابين ، فثبت أن العبد ما لم يضل عن الدين ، فإن الله تعالى لا يضله .

ثم بيّن تعالى ما لأجله بقوا في ذلك الشك والإسراف فقال: { الذين يجادلون فِى ءايات الله بِغَيْرِ سلطان } أي بغير حجة ، بل إما بناء على التقليد المجرد ، وإما بناء على شبهات خسيسة { كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله } والمقت هو أن يبلغ المرء في القوم مبلغًا عظيمًا فيمقته الله ويبغضه ويظهر خزيه وتعسه .

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في ذمة لهم بأنهم يجادلون بغير سلطان دلالة على أن الجدال بالحجة حسن وحق وفيه إبطال للتقليد .

المسألة الثانية: قال القاضي مقت الله إياهم يدل على أن فعلهم ليس بخلق الله لأن كونه فاعلًا للفعل وماقتًا له محال .

المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد يمقت بعض عباده إلا أن ذلك صفة واجبة التأويل في حق الله كالغضب والحياء والتعجب ، والله أعلم . ثم بيّن أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك قد حصل عند الذين آمنوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت