فهرس الكتاب

الصفحة 1829 من 8321

اعلم أنه تعالى في الآيات المتقدمة عاب أهل الكتاب على شيئين أحدهما: أنه عابهم على الكفر ، فقال: { قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ } [ آل عمران: 70 ] ثم بعد ذلك عابهم على سعيهم في إلقاء الغير في الكفر ، فقال: { قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } [ آل عمران: 99 ] فلما انتقل منه إلى مخاطبة المؤمنين أمرهم أولًا بالتقوى والإيمان ، فقال: { اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا } [ آل عمران: 102 ، 103 ] ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة ، فقال: { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير } وهذا هو الترتيب الحسن الموافق للعقل ، وفي الآية مسألتان:

المسألة الأولى: في قوله { مّنكُمْ } قولان أحدهما: أن { مِنْ } ههنا ليست للتبعيض لدليلين الأول: أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } [ آل عمران: 110 ] والثاني: هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إما بيده ، أو بلسانه ، أو بقلبه ، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس إذا ثبت هذا فنقول: معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ، وأما كلمة { مِنْ } فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى: { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } [ الحج: 30 ] ويقال أيضًا: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يريد بذلك جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم ، كذا ههنا ، ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجبًا على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين ، ونظيره قوله تعالى: { انفروا خِفَافًا وَثِقَالًا } [ التوبة: 41 ] وقوله { إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [ التوبة: 39 ] فالأمر عام ، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين .

والقول الثاني: أن { مِنْ } ههنا للتبعيض ، والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضًا على قولين أحدهما: أن فائدة كلمة { مِنْ } هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى والعاجزين والثاني: أن هذا التكليف مختص بالعلماء ويدل عليه وجهان الأول: أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء: الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر ، فإن الجاهل ربما عاد إلى الباطل وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف ، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر ، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة ، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديًا ، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء ، ولا شك أنهم بعض الأمة ، ونظير هذه الآية قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت