اعلم أن المقصود من هذه الصورة تخويف الكفار وتحذيرهم عن الكفر .
فالنوع الأول: من التخويف أنه أقسم على أن اليوم الذي يوعدون به ، وهو يوم الفصل واقع ثم هول فقال: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل } [ المرسلات: 14 ] ثم زاد في التهويل فقال: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } [ المرسلات: 15 ] .
والنوع الثاني من التخويف: ما ذكر في هذه الآية . وهو أنه أهلك الكفرة المتقدمين بسبب كفرهم . فإذا كان الكفر حاصلًا في هؤلاء المتأخرين ، فلا بد وأن يهلكهم أيضًا ثم قال: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } كأنه يقول ، أما الدنيا فحاصلهم الهلاك ، وأما الآخرة فالعذاب الشديد وإليه الإشارة بقوله: { خَسِرَ الدنيا والأخرة ذلك هُوَ الخسران المبين } [ الحج: 11 ] وفي الآية سؤالان الأول: ما المراد من الأولين والآخرين؟ الجواب: فيه قولان: الأول: أنه أهلك الأولين من قوم نوح وعاد وثمود ثم أتبعهم الآخرين قوم شعيب ولوط وموسى كذلك نفعل بالمجرمين وهم كفار قريش ، وهذا القول ضعيف لأن قوله: { نُتْبِعُهُمُ الأخرين } بلفظ المضارع فهو يتناول الحال والاستقبال ولا يتناول الماضي ألبتة القول الثاني: أن المراد بالأولين جميع الكفار الذين كانوا قبل محمد A ، وقوله: { ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الأخرين } على الاستئناف على معنى سنفعل ذلك ونتبع الأول الآخر ، ويدل على الاستئناف قراءة عبدالله { سنتبعهم } ، فإن قيل: قرأ الأعرج ثم نتبعهم بالجزم وذلك يدل على الاشتراك في ألم ، وحينئذ يكون المراد به الماضي لا المستقبل ، قلنا: القراءة الثابتة بالتواتر نتبعهم بحركة العين ، وذلك يقتضي المستقبل ، فلو اقتضت القراءة بالجزم أن يكون المراد هو الماضي لوقع التنافي بين القراءتين ، وإنه غير جائز . فعلمنا أن تسكين العين ليس للجزم للتخفيف كما روي في بيت امرىء القيس:
واليوم أشرب غير مستحقب ... ثم إنه تعالى لما بين أنه يفعل بهؤلاء المتأخرين مثل ما يفعل بأولئك المتقدمين قال: { كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين } أي هذا الإهلاك إنما نفعله بهم لكونهم مجرمين ، فلا جرم في جميع المجرمين ، لأن عموم العلة يقتضي عموم الحكم .
ثم قال تعالى: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } أي هؤلاء وإن أهلكوا وعذبوا في الدنيا ، فالمصيبة العظمى والطامة الكبرى معدة لهم يوم القيامة .
السؤال الثاني: المراد من الإهلاك في قوله: { أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين } هو مطلق الإماتة أو الإماتة بالعذاب؟ فإن كان ذلك هو الأول لم يكن تخويفًا للكفار ، لأن ذلك أمر حاصل للمؤمن والكافر ، فلا يصلح تحذيرًا للكافر ، وإن كان المراد هو الثاني وهو الإماتة بالعذاب ، فقوله: { ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الأخرين كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين } يقتضي أن يكون الله قد فعل بكفار قريش مثل ذلك ، ومن المعلوم أنه لم يوجد ذلك ، وأيضًا فلأنه تعالى قال: { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [ الأنفال: 33 ] الجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد منه الإماتة بالتعذيب ، وقد وقع ذلك في حق قريش وهو يوم بدر؟ سلمنا ذلك ، فلم لا يجوز أن يكون المراد من الإهلاك معنى ثالثًا مغايرًا للأمرين اللذين ذكروهما وهو الإماتة المستعقبة للذم واللعن؟ فكأنه قيل: إن أولئك المتقدمين لحرصهم على الدنيا عاندوا الأنبياء وخاصموهم ، ثم ماتوا فقد فاتتهم الدنيا وبقي اللعن عليهم في الدنيا والعقوبة الأخروية دائمًا سرمدًا ، فهكذا يكون حال هؤلاء الكفار الموجودين ومعلوم أن مثل هذا الكلام من أعظم وجوه الزجر .