فهرس الكتاب

الصفحة 7916 من 8321

أما انشقاق السماء فقد مر شرحه في مواضع من القرآن ، وعن علي عليه السلام أنها تنشق من المجرة ، أما قوله: { وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } ومعنى أذن له استمع ، ومنه قوله E: « ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن » وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزجاج قول قعنب:

صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا

والمعنى أنه لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله تعالى في شقها وتفريق أجزائها ، فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المالك أنصت له وأذعن ، ولم يمتنع فقوله: { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت: 11 ] يدل على نفاذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير ممانعة أصلًا ، وقوله ههنا: { وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } يدل على نفوذ القدرة في التفريق والإعدام والإفناء من غير ممانعة أصلًا ، وأما قوله: { وَحُقَّتْ } فهو من قولك هو محقوق بكذا ، وحقيق به . يعني وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع وذلك لأنه جسم ، وكل جسم فهو ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإن الوجود والعدم بالنسبة إليه على السوية ، وكل ما كان كذلك ، كان ترجيح وجوده على عدمه أو ترجيح عدمه على وجوده ، لا بد وأن يكون بتأثير واجب الوجود وترجيحه فيكون تأثير قدرته في إيجاده ، وإعدامه ، نافذًا ساريًا من غير ممانعة أصلًا ، وأما الممكن فليس له إلا القبول والاستعداد ، ومثل هذا الشيء حقيق به أن يكون قابلًا للوجود تارة ، وللعدم أخرى من واجب الوجود ، أما قوله: { وَإِذَا الأرض مُدَّتْ } ففيه وجهان الأول: أنه مأخوذ من مد الشيء فامتد ، وهو أن تزال حبالها بالنسف كما قال: { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّي نَسْفًا } [ طه: 105 ] يسوي ظهرها ، كما قال: { قَاعًا صَفْصَفًا * لاَّ ترى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا } [ طه: 107 106 ] وعن ابن عباس مدت مد الأديم الكاظمي ، لأن الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه واستوى والثاني: أنه مأخوذ من مده بمعنى أمده أي يزاد في سعتها يوم القيامة لوقوف الخلائق عليها للحساب ، واعلم أنه لا بد من الزيادة في وجه الأرض سواء كان ذلك بتمديدها أو بإمدادها ، لأن خلق الأولين والآخرين لما كانوا واقفين يوم القيامة على ظهرها ، فلا بد من الزيادة في طولها وعرضها ، أما قوله: { وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا } فالمعنى أنها لما مدت رمت بما في جوفها من الموتى والكنوز ، وهو كقوله: { وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا } [ الزلزلة: 2 ] { وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ } [ الإنفطار: 4 ] { وَبُعْثِرَ مَا فِى القبور } [ العاديات: 9 ] وكقوله: { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتًا * أَحْيَاءًا وأمواتا } [ المرسلات: 26 25 ] وأما قوله: { وَتَخَلَّتْ } فالمعنى وخلت غاية الخلو حتى لم يبق في باطنها شيء كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو ، كما يقال: تكرم الكريم ، وترحم الرحيم . إذا بلغا جهدهما في الكرم الرحمة وتكلفًا فوق ما في طبعهما ، واعلم أن التحقيق أن الله تعالى هو الذي أخرج تلك الأشياء من بطن الأرض إلى ظهرها ، لكن الأرض وصفت بذلك على سبيل التوسع ، وأما قوله: { وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ } فقد تقدم تفسيره إلا أن الأول في السماء وهذا في الأرض ، وإذا اختلف وجه الكلام لم يكن تكرارًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت