فهرس الكتاب

الصفحة 3744 من 8321

فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا الكلام هو النوع الثالث من شبهاتهم وكلماتهم التي ذكروها في الطعن في نبوة النبي A ، حكاها الله تعالى في كتابه وأجاب عنها .

واعلم أن من وقف على هذا الترتيب الذي نذكره ، علم أن القرآن مرتب على أحسن الوجوه .

المسألة الثانية: روي عن ابن عباس Bهما: أن خمسة من الكفار كانوا يستهزئون بالرسول E وبالقرآن . الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاص بن وائل السهمي ، والأسود بن المطلب ، والأسود بن عبد يغوث ، والحارث بن حنظلة ، فقتل الله كل رجل منهم بطريق آخر ، كما قال: { إِنَّا كفيناك المستهزءين } [ الحجر: 95 ] فذكر الله تعالى أنهم كلما تلي عليهم آيات: { قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدّلْهُ } وفيه بحثان:

البحث الأول: أن وصفهم بأنهم لا يرجون لقاء الله أريد به كونهم مكذبين بالحشر والنشر ، منكرين للبعث والقيامة ، ثم في تقرير حسن هذه الاستعارة وجوه: الأول: قال الأصم: { لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } أي لا يرجون في لقائنا خيرًا على طاعة ، فهم من السيئات أبعد أن يخافوها . الثاني: قال القاضي: الرجاء لا يستعمل إلا في المنافع ، لكنه قد يدل على المضار من بعض الوجوه ، لأن من لا يرجو لقاء ما وعد ربه من الثواب ، وهو القصد بالتكليف ، لا يخاف أيضًا ما يوعده به من العقاب ، فصار ذلك كناية عن جحدهم للبعث والنشور .

واعلم أن كلام القاضي قريب من كلام الأصم ، إلا أن البيان التام أن يقال: كل من كان مؤمنًا بالبعث والنشور فإنه لا بد وأن يكون راجيًا ثواب الله وخائفًا من عقابه ، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم ، فلزم من نفي الرجاء نفي الإيمان بالبعث . فهذا هو الوجه في حسن هذه الاستعارة .

البحث الثاني: أنهم طلبوا من رسول الله A أحد أمرين على البدل: فالأول: أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن . والثاني: أن يبدل هذا القرآن وفيه إشكال ، لأنه إذا بدل هذا القرآن بغيره ، فقد أتى بقرآن غير هذا القرآن ، وإذا كان كذلك كان كل واحد منهما شيئًا واحدًا . وأيضًا مما يدل على أن كل واحد منهما هو عين الآخر أنه E اقتصر في الجواب على نفي أحدهما ، وهو قوله: { مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى } وإذا ثبت أن كل واحد من هذين الأمرين هو نفس الآخر ، كان إلقاء اللفظ على الترديد والتخيير فيه باطلًا .

والجواب: أن أحد الأمرين غير الآخر ، فالإتيان بكتاب آخر ، لا على ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه ، يكون إتيانًا بقرآن آخر ، وأما إذا أتى بهذا القرآن إلا أنه وضع مكان ذم بعض الأشياء مدحها ، ومكان آية رحمة آية عذاب ، كان هذا تبديلًا ، أو نقول: الإتيان بقرآن غير هذا هو أن يأتيهم بكتاب آخر سوى هذا الكتاب . مع كون هذا الكتاب باقيًا بحاله ، والتبديل هو أن يغير هذا الكتاب . وأما قوله: إنه اكتفى في الجواب على نفي أحد القسمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت