قلنا: الجواب المذكور عن أحد القسمين هو عين الجواب عن القسم الثاني . وإذا كان كذلك وقع الاكتفاء بذكر أحدهما عن ذكر الثاني . وإنما قلنا: الجواب عن أحد القسمين عين الجواب عن الثاني لوجهين: الأول: أنه E لما بين أنه لا يجوز أن يبدله من تلقاء نفسه ، لأنه وارد من الله تعالى ولا يقدر على مثله ، كما لا يقدر سائر العرب على مثله ، فكان ذلك متقررًا في نفوسهم بسبب ما تقدم من تحديه لهم بمثل هذا القرآن ، فقد دلهم بذلك على أنه لا يتمكن من قرآن غير هذا . والثاني: أن التبديل أقرب إلى الإمكان من المجيء بقرآن غير هذا القرآن ، فجوابه عن الأسهل يكون جوابًا عن الأصعب ، ومن الناس من قال: لا فرق بين الإتيان بقرآن غير هذا القرآن وبين تبديل هذا القرآن ، وجعل قوله: { مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ } جوابًا عن الأمرين ، إلا أنه ضعيف على ما بيناه .
المسألة الثالثة: اعلم أن إقدام الكفار على هذا الالتماس يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء ، مثل أن يقولوا: إنك لو جئتنا بقرآن آخر غير هذا القرآن أو بدلته لآمنا بك ، وغرضهم من هذا الكلام السخرية والتطير . والثاني: أن يكونوا قالوه على سبيل الجد ، وذلك أيضًا يحتمل وجوهًا: أحدها: أن يكونوا قالوا ذلك على سبيل التجربة والامتحان ، حتى إنه إن فعل ذلك ، علموا أنه كان كذابًا في قوله: إن هذا القرآن نزل عليه من عند الله . وثانيها: أن يكون المقصود من هذا الالتماس أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم والطعن في طرائقهم ، وهم كانوا يتأذون منها ، فالتمسوا كتابًا آخر ليس فيه ذلك . وثالثها: أن بتقدير أن يكونوا قد جوزوا كون هذا القرآن من عند الله ، التمسوا منه أن يلتمس من الله نسخ هذا القرآن وتبديله بقرآن آخر . وهذا الوجه أبعد الوجوه .
واعلم أن القوم لما ذكروا ذلك أمره الله تعالى أن يقول: إن هذا التبديل غير جائز مني { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } ثم بين تعالى أنه بمنزلة غيره في أنه متوعد بالعذاب العظيم إن عصى . ويتفرع على هذه الآية فروع:
الفرع الأول: أن قوله: { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } معناه: لا أتبع إلا ما يوحى إلي ، فهذا يدل على أنه E ما حكم إلا بالوحي ، وهذا يدل على أنه لم يحكم قط بالاجتهاد .