فهرس الكتاب

الصفحة 3418 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى لما بين ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلًا وآجلًا كما شرحناه أتبعه بأن بين أن هذه طريقته وسنته في الكل . فقال: { كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } والمعنى: عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم . فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإغراق وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال: فلان يدأب في كذا ، أي يداوم عليه ويواظب ويتعب نفسه ، ثم سميت العادة دأبًا لأن الإنسان مداوم على عادته ومواظب عليها .

ثم قال تعالى { إِنَّ الله قَوِىٌّ شَدِيدُ العقاب } والغرض منه التنبيه على أن لهم عذابًا مدخرًا سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل ، ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم ، فقال: { ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّرًا نّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { لَمْ يَكُ } أكثر النحويين يقولون إنما حذفت النون . لأنها لم تشبه الغنة المحضة ، فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفًا ، فحذفت تشبيهًا بها كما تقول لم يدع ولم يرم ولم يل وقال الواحدي: وهذا ينتقض بقولهم لم يزن ولم يخن فلم يسمع حذف النون ههنا .

وأجاب علي بن عيسى عنه . فقال إن كان ويكون أم الأفعال من أجل أن كل فعل قد حصل فيه معنى كان فقولنا ضرب معناه كان ضرب ويضرب معناه يكون ضرب ، وهكذا القول في الكل فثبت أن هذه الكلمة أم الأفعال . فاحتيج إلى استعمالها في أكثر الأوقات ، فاحتملت هذا الحذف بخلاف قولنا لم يخن ولم يزن ، فإنه لا حاجة إلى ذكرها كثيرًا فظهر الفرق . والله أعلم .

المسألة الثانية: قال القاضي: معنى الآية أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ويعدلوا عن الكفر ، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر ، فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم ، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن قال: وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدىء أحدًا بالعذاب والمضرة ، والذي يفعله لا يكون الأجزاء على معاص سلفت ، ولو كان تعالى خلقهم وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنار كما يقوله القوم ، لما صح ذلك ، قال أصحابنا: ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي الإمام إلا أنا لو حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفة الله تعالى معللة بفعل الإنسان ، وذلك لأن حكم الله بذلك التغيير وإرادته لما كان لا يحصل إلا عند إتيان الأنسان بذلك الفعل ، فلو لم يصدر عند ذلك الفعل لم يحصل لله تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة ، فحينئذ يكون فعل الإنسان مؤثرًا في حدوث صفة في ذات الله تعالى ، ويكون الإنسان مغيرًا صفة الله ومؤثرًا فيها ، وذلك محال في بديهة العقل ، فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره ، بل الحق أن صفة الله غالبة على صفات المحدثات ، فلولا حكمه وقضاؤه أولًا لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت