فهرس الكتاب

الصفحة 6815 من 8321

وهو بيان للوحدانية ، وما تقدم كان بيانًا للحشر .

وأما قوله ههنا: { والسماء بنيناها بِأَيْدٍ } وأنتم تعرفون أن ما تعبدون من دون الله ما خلقوا منها شيئًا فلا يصح الإشراك ، ويمكن أن يقال هذا عود بعد التهديد إلى إقامة الدليل ، وبناء السماء دليل على القدرة على خلق الأجسام ثانيًا ، كما قال تعالى: { أَوَ لَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } [ ياس: 81 ] وفيه مسائل:

المسألة الأولى: النصب على شريطة التفسير يختار في مواضع ، وإذا كان العطف على جملة فعليه فما تلك الجملة؟ نقول في بعض الوجوه التي ذكرناها في قوله تعالى: { وَفِى عَادٍ } [ الذاريات: 41 ] { وَفِى ثَمُودَ } [ الذاريات: 43 ] تقديره وهل أتاك حديث عاد وهل أتاك حديث ثمود ، عطفًا على قوله: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبراهيم المكرمين } [ الذاريات: 24 ] وعلى هذا يكون ما تقدم جملة فعلية لا خفاء فيه ، وعلى غير ذلك الوجه فالجار والمجرور النصب أقرب منه إلى الرفع فكان عطفًا على ما بالنصب أولى ، ولأن قوله تعالى: { فنبذناهم } [ الذاريات: 40 ] وقوله: { أَرْسَلْنَا } [ الذاريات: 32 ] وقوله تعالى: { فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة } [ الذاريات: 44 ] و { فَمَا استطاعوا } [ الذاريات: 45 ] كلها فعليات فصار النصب مختارًا .

المسألة الثانية: كرر ذكر البناء في السموات ، قال تعالى: { والسماء وَمَا بناها } [ الشمس: 5 ] وقال تعالى: { أَمِ السماء بناها } [ النازعات: 27 ] وقال تعالى: { جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَارًا والسماء بِنَاء } [ غافر: 64 ] فما الحكمة فيه؟ نقول فيه وجوه . أحدها: أن البناء باق إلى قيام القيامة لم يسقط منه شيء ولم يعدم منه جزء ، وأما الأرض فهي في التبدل والتغير فهي كالفرش الذي يبسط ويطوى وينقل ، والسماء كالبناء المبني الثابت ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { سَبْعًا شِدَادًا } [ النبأ: 12 ] وأما الأراضي فكم منها ما صار بحرًا وعاد أرضًا من وقت حدوثها . ثانيها: أن السماء ترى كالقبة المبنية فوق الرؤوس ، والأرض مبسوطة مدحوة والبناء بالمرفوع أليق ، كما قال تعالى: { رَفَعَ سَمْكَهَا } [ النازعات: 28 ] . ثالثها: قال بعض الحكماء: السماء مسكن الأرواح والأرض موضع الأعمال والمسكن أليق بكونه بناء ، والله أعلم .

المسألة الثالثة: الأصل تقديم العامل على المعمول والفعل هو العامل فقوله: { بنينا } عامل في السماء ، فما الحكمة في تقديم المفعول على الفعل ولو قال: وبنينا السماء بأيد ، كان أوجز؟ نقول الصانع قبل الصنع عند الناظر في المعرفة ، فلما كان المقصود إثبات العلم بالصانع ، قدم الدليل فقال والسماء المزينة التي لا تشكون فيها بنيناها فاعرفونا بها إن كنتم لا تعرفوننا .

المسألة الرابعة: إذا كان المقصود إثبات التوحيد ، فكيف قال: { بنينا } ولم يقل بنيتها أو بناها الله؟ نقول قوله: { بنيانا } أدل على عدم الشريك في التصرف والاستبداد وقوله بنيتها يمكن أن يكون فيه تشريك ، وتمام التقرير هو أن قوله تعالى: { بنيناها } لا يورث إيهامًا بأن الآلهة التي كانوا يعبدونها هي التي يرجع إليها الضمير في { بنيناها } لأن تلك إما أصنام منحوتة وإما كواكب جعلوا الأصنام على صورها وطبائعها ، فأما الأصنام المنحوتة فلا يشكون أنها ما بنت من السماء شيئًا ، وأما الكواكب فهي في السماء محتاجة إليها فلا تكون هي بانيتها ، وإنما يمكن أن يقال إنما بنيت لها وجعلت أماكنها ، فلما لم يتوهم ما قالوا قال بنينا نحن ونحن غير ما يقولون ويدعونه فلا يصلحون لنا شركاء لأن كل ما هو غير السماء ودون السماء في المرتبة فلا يكون خالق السماء وبانيها فإذن علم أن المراد جمع التعظيم وأفاد النص عظمته ، فالعظمة أنفى للشريك فثبت أن قوله: { بنيناها } أدل على نفي الشريك من بنيتها وبناها الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت