فهرس الكتاب

الصفحة 5513 من 8321

اعلم أن قوله: { تِلْكَ } إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ وإبانته أنه قد خط فيه كل ما هو كائن ، فالملائكة الناظرون فيه يبينون الكائنات ، وإنما نكر الكتاب المبين ليصير مبهمًا بالتنكير فيكون أفخم له كقوله: { فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } [ القمر: 55 ] وقرأ ابن أبي عبلة { وكتاب مُّبِينٌ } بالرفع على تقدير وآيات كتاب مبين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين قوله: { الرَ تِلْكَ ءايات الكتاب وَقُرْءانٍ مُّبِينٍ } [ الحجر: 1 ] ؟ قلت: لا فرق لأن واو العطف لا تقتضي الترتيب .

أما قوله: { هُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ } فهو في محل النصب أو الرفع فالنصب على الحال أي هادية ومبشرة ، والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة ، والرفع على ثلاثة أوجه على معنى هي هدى وبشرى ، وعلى البدل من الآيات ، وعلى أن يكون خبرًا بعد خبر ، أي جمعت آياتها آيات الكتاب وأنها هدى وبشرى ، واختلفوا في وجه تخصيص الهدى بالمؤمنين على وجهين: الأول: المراد أنه يهديهم إلى الجنة وبشرى لهم كقوله تعالى: { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صراطا مُّسْتَقِيمًا } [ النساء: 175 ] فلهذا اختص به المؤمنون الثاني: المراد بالهدى الدلالة ثم ذكروا في تخصيصه بالمؤمنين وجوهًا: أحدها: أنه إنما خصه بالمؤمنين لأنه ذكر مع الهدى البشرى ، والبشرى إنما تكون للمؤمنين وثانيها: أن وجه الاختصاص أنهم تمسكوا به فخصهم بالذكر كقوله: { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها } [ النازعات: 45 ] ، وثالثها: المراد من كونها { هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ } أنها زائدة في هداهم ، قال تعالى: { وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى } [ مريم: 76 ] .

أما قوله: { الذين يُقِيمُونَ الصلاة } فالأقرب أنها الصلوات الخمس لأن التعريف بالألف واللام يقتضي ذلك ، وإقامة الصلاة أن يؤتى بها بشرائطها ، وكذا القول في الزكاة فإنها هي الواجبة ، وإقامتها وضعها في حقها .

أما قوله: { وَهُم بالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ } ففيه سؤال وهو: أن المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لا بد وأن يكونوا متيقنين بالآخرة ، فما الوجه من ذكره مرة أخرى؟ جوابه من وجهين: الأول: أن يكون من جملة صلة الموصول ، ثم فيه وجهان: الأول: أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخبر لأجل العمل به ، وأما عرفان الحق فأقسام كثيرة لكن الذي يستفاد منه طريق النجاة معرفة المبدأ ، ومعرفة المعاد ، وأما الخير الذي يعمل به فأقسام كثيرة وأشرفها قسمان: الطاعة بالنفس والطاعة بالمال فقوله: { لِلْمُؤْمِنِينَ } إشارة إلى معرفة المبدأ ، وقوله: { يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة } إشارة إلى الطاعة بالنفس والمال ، وقوله: { وَهُم بالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ } إشارة إلى علم المعاد فكأنه سبحانه وتعالى جعل معرفة المبدأ طرفًا أولًا ، ومعرفة المعاد طرفًا أخيرًا وجعل الطاعة بالنفس والمال متوسطًا بينهما الثاني: أن المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، منهم من هو جازم بالحشر والنشر ، ومنهم من يكون شاكًا فيه إلا أنه يأتي بهذه الطاعات للاحتياط ، فيقول إن كنت مصيبًا فيها فقد فزت بالسعادة ، وإن كنت مخطئًا فيها لم يفتني إلا خيرات قليلة في هذه المدة اليسيرة ، فمن يأتي بالصلاة والزكاة على هذا الوجه لم يكن في الحقيقة مهتديًا بالقرآن ، أما من كان حازمًا بالآخرة كان مهتديًا به ، فلهذا السبب ذكر هذا القيد الثاني: أن يجعل قوله: { وَهُم بالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ } جملة اعتراضية كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة ، وهذا هو الأقرب ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو { هُمْ } حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح ، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت