اعلم أنه تعالى لما بلغ في الحث على الجهاد أتبعه بذكر أحكام الجهاد . ومن جملتها المنع من الغلول ، فذكر هذه الآية في هذا المعنى وفيها مسائل:
المسألة الأولى: الغلول هو الخيانة ، وأصله أخذ الشيء في الخفية ، يقال أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخيانة ، والغل الحقد الكامن في الصدر . والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الثياب ، والغلل الماء الذي يجري في أصول الشجرة لأنه مستتر بالأشجار وتغلل الشيء إذا تخلل وخفى ، وقال E:"من بعثناه على عمل فغل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه"وقال:"هدايا الولاة غلول"وقال:"ليس على المستعير غير المغل ضمان"وقال:"لا إغلال ولا إسلال"وأيضا يقال: أغله إذا وجده غالا ، كقولك: أبخلته وأفحمته . أي وجدته كذلك .
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ( يغل ) بفتح الياء وضم الغين ، أي ما كان للنبي أن يخون ، وقرأ الباقون من السبعة «يغل» بضم الياء وفتح الغين ، أي ما كان للنبي أن يخان .
واختلفوا في أسباب النزول ، فبعضها يوافق القراءة الأولى . وبعضها يوافق القراءة الثانية .
أما النوع الأول: ففيه روايات: الأولى: أنه E غنم في بعض الغزوات وجمع الغنائم ، وتأخرت القسمة لبعض الموانع ، فجاء قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟ فقال E:"لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عنكم منه درهما أتحسبون أني أغلكم مغنمكم"فأنزل الله هذه الآية . الثاني: أن هذه الآية نزلت في أداء الوحي ، كان E يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتم ، فسألوه أن يترك ذلك فنزلت هذه الآية . الثالث: روى عكرمة وسعيد بن جبير: أن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر ، فقال بعض الجهال لعل النبي A أخذها فنزلت هذه الآية . الرابع: روي عن ابن عباس Bهما من طريق آخر أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي E من الغنائم بشيء زائد فنزلت هذه الآية . الخامس: روي أنه E بعث طلائع فغنموا غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع فنزلت هذه الآية . السادس: قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلبا للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول النبي A: من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر ، فقال E:"ظننتم أنا نغل فلا نقسم لكم"فنزلت هذه الآية .
واعلم أن على الرواية الأولى المراد من الآية النهي عن أن يكتم الرسول شيئا من الغنيمة عن أصحابه لنفسه ، وعلى الروايات الثلاثة يكون المقصود نهيه عن الغلول ، بأن يعطى للبعض دون البعض .