وأما ما يوافق القراءة الثانية: فروي أن النبي A لما وقعت غنائم هوازن في يده يوم حنين ، غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية . واعلم أن النبي A عظم أمر الغلول وجعله من الكبائر ، عن ثوبان عن رسول الله A أنه قال: « من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين » وعن عبدالله بن عمرو: أن رجلا كان على ثقل النبي A ، يقال له: كركرة فمات ، فقال النبي A: « هو في النار ، » فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء وعباءة قد غلهما ، وقال E: « أدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة » وروي رويفع بن ثابت الانصاري عن النبي A أنه قال: « لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى اذا أعجفها ردها ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا حتى اذا أخلقه رده » وروي أنه A جعل سلمان علي الغنيمة فجاءه رجل وقال يا سلمان كان في ثوبي خرق فأخذت خيطا من هذا المتاع فخطته به ، فهل علي جناح؟ فقال سلمان: كل شيء بقدره فسل الرجل الخيط من ثوبه ثم ألقاه في المتاع ، وروي أن رجلا جاء النبي A بشراك أو شراكين من المغنم ، فقال أصبت هذا يوم خيبر ، فقال النبي A « شراك أو شراكان من نار » ورمى رجل بسهم في خيبر ، فقال القوم لما مات: هنيئا له الشهادة فقال E: « كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة التي أخذها من الغنائم قبل قسمتها لتلتهب عليه نارا » واعلم أنه يستثنى عن هذا النهي حالتان .
الحالة الأولى: أخذ الطعام وأخذ علف الدابة بقدر الحاجة ، قال عبدالله بن أبي أوفى: أصبنا طعاما يوم حنين ، فكان الرجل يأتي فيأخذ منه قدر الكفاية ثم ينصرف ، وعن سلمان أنه أصاب يوم المدائن أرغفة وجبنا وسكينا ، فجعل يقطع من الجبن ويقول: كلوا على اسم الله .
الحالة الثانية: اذا احتاج اليه ، روي عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلا من المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به .
المسألة الثالثة: أما القراءة بفتح الياء وضم الغين ، بمعنى: ما كان لنبي أن يخون ، فله تأويلان: الأول: أن يكون المراد أن النبوة والخيانة لا يجتمعان ، وذلك لأن الخيانة سبب للعار في الدنيا والنار في الآخرة ، فالنفس الراغبة فيها تكون في نهاية الدناءة ، والنبوة أعلى المناصب الانسانية فلا تليق إلا بالنفس التي تكون في غاية الجلالة والشرف ، والجمع بين الصفتين في النفس الواحدة ممتنع ، فثبت أن النبوة والخيانة لا تجتمعان ، فنظير هذه الآية قوله: