فهرس الكتاب

الصفحة 5118 من 8321

اعلم أن قوله تعالى: { لَكُمْ فِيهَا منافع إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } لا يليق إلا بأن تحمل الشعائر على الهدي الذي فيه منافع إلى وقت النحر ، ومن يحمل ذلك على سائر الواجبات يقول لكم فيها أي في التمسك بها منافع إلى أجل ينقطع التكليف عنده ، والأول هو قول جمهور المفسرين ، ولا شك أنه أقرب . وعلى هذا القول فالمنافع مفسرة بالدر والنسل والأوبار وركوب ظهورها ، فأما قوله { إلى أجل مسمى } ففيه قولان: أحدهما: أن لكم أن تنتفعوا بهذه البهائم إلى أن تسموها ضحية وهديًا فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك وقال آخرون { لكم فيها } أي في البدن { منافع } مع تسميتها هديًا بأن تركبوها إن احتجتم إليها وأن تشربوا ألبانها إذا اضطررتم إليها { إلى أجل مسمى } يعني إلى أن تنحروها هذه هي الرواية الثانية عن ابن عباس Bهما وهو اختيار الشافعي ، وهذا القول أولى لأنه تعالى قال: { لَكُمْ فِيهَا منافع } أي في الشعائر ولا تسمى شعائر قبل أن تسمى هديًا وروى أبو هريرة أنه عليه السلام « مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد ، فقال عليه السلام اركبها فقال يا رسول الله إنها هدى فقال اركبها ويلك » وروى جابر عن رسول الله A أنه قال: « اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهرًا » واحتج أبو حنيفة C على أنه لا يملك منافعها بأن لا يجوز له أن يؤجرها للركوب فلو كان مالكًا لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات ، وهذا ضعيف لأن أم الولد لا يمكنه بيعها ، ويمكنه الانتفاع بها فكذا ههنا .

أما قوله تعالى: { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق } فالمعنى أن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم وأعظم هذه المنافع محلها إلى البيت العتيق أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت ، كقوله: { هَدْيًا بالغ الكعبة } [ المائدة: 95 ] وبالجملة فقوله: { مَحِلُّهَا } يعني حيث يحل نحرها ، وأما البيت العتيق فالمراد به الحرم كله ، ودليله قوله تعالى: { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } [ التوبة: 28 ] أي الحرم كله فالمنحر على هذا القول كل مكة ، ولكنها تنزهت عن الدماء إلى منى ومنى من مكة ، قال عليه السلام: « كل فجاج مكة منحر وكل فجاج منى منحر » قال القفال هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت منى فأما الهدي المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن محله موضعه .

أما قوله تعالى: { وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ اسم الله } فالمعنى شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ضربًا من القربان وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك ، وما كانت العرب تذبحه للصنم يسمى العتر والعتيرة كالذبح والذبيحة ، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصمًا منسكًا بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح وهو مصدر بمعنى النسك والمكسور بمعنى الموضع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت