فهرس الكتاب

الصفحة 5091 من 8321

القراءة قرأ الحسن { مّنَ البعث } بالتحريك ونظيره الحلب والطرد في الحلب وفي الطرد { مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } بجر التاء والراء ، وقرأ ابن أبي عبلة بنصبهما القراءة المعروفة بالنون في قوله: { لّنُبَيّنَ } وفي قوله: { وَنُقِرُّ } وفي قوله: { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا } ابن أبي عبلة بالياء في هذه الثلاثة ، أما القراءة بالنون ففيها وجوه: أحدها: القراءة المشهورة وثانيها: روى السيرافي عن داود عن يعقوب ونقر بفتح النون وضم القاف والراء وهو من قر الماء إذا صبه ، وفي رواية أخرى عنه كذلك إلا أنه بنصب الراء وثالثها: ونقر ونخرجكم بنصب الراء والجيم أما القراءة بالياء ففيها وجوه: أحدها: يقر ويخرجكم بفتح القاف والراء والجيم وثانيها: يقر ويخرجكم بضم القاف والراء والجيم وثالثها: بفتح الياء وكسر القاف وضم الراء أبو حاتم { وَمِنكُمْ مَّن يتوفى } بفتح الياء أي يتوفاه الله تعالى ابن عمرة والأعمش { العمر } بإسكان الميم القراءة المعروفة { وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العمر } وفي حرف عبدالله ومنكم من يتوفى ومنكم من يكون شيوخًا بغير القراءة المعروفة وربت أبو جعفر وربأت أي ارتفعت ، وروى العمري عنه بتليين الهمزة وقرىء وأنه باعث .

المعاني: اعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم الجدال بغير العلم في إثبات الحشر والنشر وذمهم عليه فهو سبحانه أورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين: أحدهما: الاستدلال بخلقة الحيوان أولًا وهو موافق لما أجمله في قوله: { قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ يس: 79 ] وقوله: { فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الإسراء: 51 ] فكأنه سبحانه وتعالى قال: إن كنتم في ريب مما وعدناكم من البعث ، فتذكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولًا قادر على خلقكم ثانيًا ، ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة الأولى أمورًا سبعة: المرتبة الأولى: قوله: { فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ } وفيه وجهان: أحدهما: إنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه السلام من تراب ، لقوله: { كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } [ آل عمران: 59 ] وقوله: { مِنْهَا خلقناكم } [ طه: 55 ] ، والثاني: أن خلقة الإنسان من المني ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية ، والأغذية إما حيوان أو نبات وغذاء الحيوان ينتهي قطعًا للتسلسل إلى النبات ، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء ، فصح قوله: { إِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ } المرتبة الثانية: قوله: { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } والنطفة اسم للماء القليل أي ماء كان ، وهو ههنا ماء الفحل فكأنه سبحانه يقول: أنا الذي قلبت ذلك التراب اليابس ماء لطيفًا ، مع أنه لا مناسبة بينهما ألبتة المرتبة الثالثة: قوله: { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } العلقة قطعة الدم الجامدة ، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة المرتبة الرابعة: قوله: { ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الأرحام مَا نَشَاءُ } فالمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ ، والمخلقة المسواة الملساء السالمة من النقصان والعيب ، يقال خلق السواك والعود إذا سواه وملسه ، من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء . ثم للمفسرين فيه أقوال: أحدها: أن يكون المراد من تمت فيه أحوال الخلق ومن لم تتم ، كأنه سبحانه قسم المضغة إلى قسمين: أحدهما: تامة الصور والحواس والتخاطيط وثانيهما: الناقصة في هذه الأمور فبين أن بعد أن صيره مضعة منها ما خلقه إنسانًا تامًا بلا نقص ومنها ما ليس كذلك وهذا قول قتادة والضحاك ، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فتبع ذلك التفاوت ، تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم وثانيها: المخلقة الولد الذي يخرج حيًا وغير المخلقة السقط وهو قول مجاهد وثالثها: المخلقة المصورة وغير المخلقة أي غير المصورة وهو الذي يبقى لحمًا من غير تخطيط وتشكيل واحتجوا بما روى علقمة عن عبدالله قال: «إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكًا وقال يا رب مخلقة أو غير مخلقة ، فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دمًا ، وإن قال مخلقة ، قال يا رب فما صفتها ، أذكر أم أنثى ، ما رزقها ، ما أجلها ، أشقى ، أم سعيد؟ فيقول الله سبحانه انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة ، فينطلق الملك فينسخها ، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها» ورابعها: قال القفال: التخليق مأخوذ من الخلق فما تتابع عليه الأطوار وتوارد عليه الخلق بعد الخلق فذاك هو المخلق لتتابع الخلق عليه ، قالوا فما تم فهو المخلق وما لم يتم فهو غير المخلق ، لأنه لم يتوارد عليه التخليقات . والقول الأول أقرب لأنه تعالى قال في أول الآية: { فَإِنَّا خلقناكم } وأشار إلى الناس فيجب أن تحمل مخلقة وغير مخلقة على من سيصير إنسانًا وذلك يبعد في السقط لأنه قد يكون سقطًا ولم يتكامل فيه الخلقة فإن قيل هلا حملتم ذلك على السقط لأجل قوله: { وَنُقِرُّ فِى الأرحام مَا نَشَاء } وذلك كالدلالة على أن فيه مالا يقره في الرحم وهو السقط ، فلنا إن ذلك لا يمنع من صحة ما ذكرنا في كون المضغة مخلقة وغير مخلقة ، لأنه بعد أن تمم خلقة البعض ونقص خلقة البعض لا يجب أن يتكامل ذلك بل فيه ما يقره الله في الرحم وفيه مالا يقره وإن كان قد أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت