وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في الفتح وجوه: أحدها: فتح مكة وهو ظاهر وثانيها: فتح الروم وغيرها وثالثها: المراد من الفتح صلح الحديبية ورابعها: فتح الإسلام بالحجة والبرهان ، والسيف والسنان وخامسها: المراد منه الحكم كقوله { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } [ الأعراف: 89 ] وقوله { ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بالحق } [ سبأ: 26 ] والمختار من الكل وجوه: أحدها: فتح مكة ، والثاني: فتح الحديبية ، والثالث: فتح الإسلام بالآية والبيان والحجة والبرهان . والأول مناسب لآخر ما قبلها من وجوه أحدها: أنه تعالى لما قال: { هَاأَنتُمْ هَؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله } . إلى أن قال: { وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } [ محمد: 38 ] بيّن تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم ثانيها: لما قال: { والله مَعَكُمْ } وقال: { وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } [ محمد: 35 ] بيّن برهانه بفتح مكة ، فإنهم كانوا هم الأعلون ثالثها: لما قال تعالى: { فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السلم } [ محمد: 35 ] وكان معناه لا تسألوا الصلح من عندكم ، بل اصبروا فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه كما كان يوم الحديبية وهو المراد بالفتح في أحد الوجوه ، وكما كان فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ومسلمين ، فإن قيل: إن كان المراد فتح مكة ، فمكة لم تكن قد فتحت ، فكيف قال تعالى: { فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا } بلفظ الماضي؟ نقول: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: فتحنا في حكمنا وتقديرنا ثانيهما: ما قدره الله تعالى فهو كائن ، فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر لا دافع له ، واقع لا رافع له .
المسألة الثانية: قوله { لّيَغْفِرَ لَكَ الله } ينبىء عن كون الفتح سببًا للمغفرة ، والفتح لا يصلح سببًا للمغفرة ، فما الجواب عنه؟ نقول: الجواب عنه من وجوه: الأول: ما قيل إن الفتح لم يجعله سببًا للمغفرة وحدها ، بل هو سبب لاجتماع الأمور المذكورة وهي: المغفرة ، وإتمام النعمة والهداية والنصرة ، كأنه تعالى قال: ليغفر لك الله ويتم نعمته ويهديك وينصرك ، ولا شك أن الاجتماع لم يثبت إلا بالفتح ، فإن النعمة به تمت ، والنصرة بعده قد عمت الثاني: هو أن فتح مكة كان سببًا لتطهير بيت الله تعالى من رجس الأوثان ، وتطهير بيته صار سببًا لتطهير عبده الثالث: هو أن بالفتح يحصل الحج ، ثم بالحج تحصل المغفرة ، ألا ترى إلى دعاء النبي E حيث قال في الحج: « اللّهم اجعله حجًا مبرورًا ، وسعيًا مشكورًا ، وذنبًا مغفورًا » الرابع: المراد منه التعريف تقديره إنا فتحنا لك ليعرف أنك مغفور ، معصوم ، فإن الناس كانوا علموا بعد عام الفيل أن مكة لا يأخذها عدو الله المسخوط عليه ، وإنما يدخلها ويأخذها حبيب الله المغفور له .